Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة يوسف - الآية 109

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) (يوسف) mp3
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ رُسُله مِنْ الرِّجَال لَا مِنْ النِّسَاء وَهَذَا قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُوحِ إِلَى اِمْرَأَة مِنْ بَنَات بَنِي آدَم وَحْي تَشْرِيع وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ سَارَّة اِمْرَأَة الْخَلِيل وَأُمّ مُوسَى وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان أُمّ عِيسَى نَبِيَّات وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَلَائِكَة بَشَّرَتْ سَارَّة بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب وَبِقَوْلِهِ " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ" الْآيَة وَبِأَنَّ الْمَلَك جَاءَ إِلَى مَرْيَم وَبَشَّرَهَا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَم اُقْنُتِي لِرَبِّك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " وَهَذَا الْقَدْر حَاصِل لَهُنَّ وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُنَّ نَبِيَّات بِذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِل بِنُبُوَّتِهِنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ التَّشْرِيف فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَيَبْقَى الْكَلَام مَعَهُ فِي أَنَّ هَذَا هَلْ يَكْفِي فِي الِانْتِظَام فِي سِلْك النُّبُوَّة بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا ؟ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاء نَبِيَّة وَإِنَّمَا فِيهِنَّ صِدِّيقَات كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَشْرَفهنَّ مَرْيَم بِنْت عِمْرَان حَيْثُ قَالَ تَعَالَى " مَا الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل وَأُمّه صِدِّيقَة كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام" فَوَصَفَهَا فِي أَشْرَف مَقَامَاتهَا بِالصِّدِّيقَةِ فَلَوْ كَانَتْ نَبِيَّة لَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَام التَّشْرِيف وَالْإِعْظَام فَهِيَ صِدِّيقَة بِنَصّ الْقُرْآن وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا " الْآيَة أَيْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل السَّمَاء كَمَا قُلْتُمْ وَهَذَا الْقَوْل مِنْ اِبْن عَبَّاس يَعْتَضِد بِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْد فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ" وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ مَا كُنْت بِدْعًا مِنْ الرُّسُل " الْآيَة وَقَوْله مِنْ أَهْل الْقُرَى " الْمُرَاد بِالْقُرَى الْمُدُن لَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْبَوَادِي الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْفَى النَّاس طِبَاعًا وَأَخْلَاقًا وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود الْمَعْرُوف أَنَّ أَهْل الْمُدُن أَرَقّ طِبَاعًا وَأَلْطَف مِنْ أَهْل بِوَادِيهِمْ وَأَهْل الرِّيف وَالسَّوَاد أَقْرَب حَالًا مِنْ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ فِي الْبَوَادِي وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " الْأَعْرَاب أَشَدّ كُفْرًا وَنِفَاقًا " الْآيَة وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله " مِنْ أَهْل الْقُرَى " لِأَنَّهُمْ أَعْلَم وَأَحْلُم مِنْ أَهْل الْعُمُور وَفِي الْحَدِيث الْآخَر أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَة فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِيه وَيَزِيدهُ حَتَّى رَضِيَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَتَّهِب هِبَة إِلَّا مِنْ قُرَشِيّ أَوْ أَنْصَارِيّ أَوْ ثَقَفِيّ أَوْ دَوْسِيّ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَجَّاج حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ شَيْخ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَعْمَش هُوَ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْمُؤْمِن الَّذِي يُخَالِط النَّاس وَيَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ خَيْر مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطهُمْ وَلَا يَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ وَقَوْله " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض " يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ لَك يَا مُحَمَّد فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " أَيْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة لِلرُّسُلِ كَيْف دَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالهَا أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا " الْآيَة فَإِذَا اِسْتَمَعُوا خَبَر ذَلِكَ رَأَوْا أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّته تَعَالَى فِي خَلْقه وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَدَار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا " أَيْ وَكَمَا نَجَّيْنَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ كَتَبْنَا لَهُمْ النَّجَاة فِي الدَّار الْآخِرَة وَهِيَ خَيْر لَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا بِكَثِيرٍ كَقَوْلِهِ " إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد يَوْم لَا يَنْفَع الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتهمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " وَأَضَافَ الدَّار إِلَى الْآخِرَة فَقَالَ " وَلَدَار الْآخِرَة " كَمَا يُقَال صَلَاة الْأُولَى وَمَسْجِد الْجَامِع وَعَام أَوَّل وَ بَارِحَة الْأُولَى وَيَوْم الْخَمِيس ; قَالَ الشَّاعِر أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمّ عَبْسًا أَلَّا اللَّه أُمّك مِنْ هَجِين وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْك دِيَار عَبْس عَرَفْت الذُّلّ عِرْفَان الْيَقِين
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تحريم حلق اللحى

    تحريم حلق اللحى : كتيب لطيف يحتوي على رسالتين: الأولى: للعلامة ابن قاسم - رحمه الله - بعنوان تحريم حلق اللحى. الثانية: للعلامة ابن باز - رحمه الله - بعنوان وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها وتقصيرها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102360

    التحميل:

  • من السيرة النبوية

    من السيرة النبوية : اشتملت هذه الرسالة على ذكر نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعلى الأنساب وأشرفها، وعلى ذكر أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - وفسر هذا الخلق العظيم بالتخلق بأخلاق القرآن والتأدب بآدابه والعمل به في جميع المجالات كما تضمنت لمحات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209206

    التحميل:

  • الأحكام الملمة على الدروس المهمة لعامة الأمة

    الدروس المهمة لعامة الأمة: هذه الرسالة على صغر حجمها جمع المؤلف - رحمه الله - بين دفتيها سائر العلوم الشرعية من أحكام الفقه الأكبر والفقه الأصغر، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الأخلاق الشرعية والآداب الإسلامية، وختم هذه الرسالة بالتحذير من الشرك وأنواع المعاصي، فأتت الرسالة بما ينبغي أن يكون عليه المسلم عقيدة وعبادةً، وسلوكا ومنهجا، فهذه الرسالة اسم على مسمى فهي بحق الدروس المهمة لعامة الأمة؛ لذا قام العديد من المشايخ بشرح هذه الرسالة اللطيفة، ومن هذه الشروح شرح الشيخ عبد العزيز بن داود الفايز - أثابه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116965

    التحميل:

  • فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين

    فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين: فتاوى في العقيدة، الطهارة، الصلاة، الموت، الزكاة، الصوم، ليلة القدر، الحج، الأضحية، فضل بعض السور، فضل بعض الأعمال، الكسب، البيوع، المواريث ... إلخ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1962

    التحميل:

  • البصيرة في الدعوة إلى الله

    البصيرة في الدعوة إلى الله : قدم له معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - وقال عنه " حيث احتوى كتابه على محورين هامين؛ هما. البصيرة فيما يدعو إليه الداعية، والبصيرة في حال المدعوين، وكيفية دعوتهم، وقد ضمَّن المحورين فصولًا مهمة، ربط المؤلف فيه بين المنهج العلمي والعملي في طرحه لهذا الموضوع فجزاه الله خيرا "

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144958

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة