Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفلق - الآية 5

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) (الفلق) mp3
قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " النِّسَاء " مَعْنَى الْحَسَد , وَأَنَّهُ تَمَنِّي زَوَال نِعْمَة الْمَحْسُود وَإِنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحَاسِدِ مِثْلهَا . وَالْمُنَافَسَة هِيَ تَمَنِّي مِثْلهَا وَإِنْ لَمْ تَزُلْ . فَالْحَسَد شَرّ مَذْمُوم . وَالْمُنَافَسَة مُبَاحَة وَهِيَ الْغِبْطَة . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ الْمُؤْمِن يَغْبِط , وَالْمُنَافِق يَحْسُد ] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : [ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ ] يُرِيد لَا غِبْطَة وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ .

قُلْت : قَالَ الْعُلَمَاء : الْحَاسِد لَا يَضُرّ إِلَّا إِذَا ظَهَرَ حَسَده بِفِعْلٍ أَوْ قَوْل , وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْمِلهُ الْحَسَد عَلَى إِيقَاع الشَّرّ بِالْمَحْسُودِ , فَيَتْبَع مَسَاوِئَهُ , وَيَطْلُب عَثَرَاته . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ ... ] الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْحَسَد أَوَّل ذَنْب عُصِيَ اللَّه بِهِ فِي السَّمَاء , وَأَوَّل ذَنْب عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْض , فَحَسَدَ إِبْلِيس آدَم , وَحَسَدَ قَابِيل هَابِيل . وَالْحَاسِد مَمْقُوت مَبْغُوض مَطْرُود مَلْعُون وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : قُلْ لِلْحَسُودِ إِذَا تَنَفَّسَ طَعْنَة يَا ظَالِمًا وَكَأَنَّهُ مَظْلُوم

هَذِهِ سُورَة دَالَّة عَلَى أَنَّ اللَّه سُبْحَانه خَالِق كُلّ شَرّ , وَأَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَوَّذ مِنْ جَمِيع الشُّرُور . فَقَالَ : " مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ " . وَجَعَلَ خَاتِمَة ذَلِكَ الْحَسَد , تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمه , وَكَثْرَة ضَرَره . وَالْحَاسِد عَدُوّ نِعْمَة اللَّه . قَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : بَارَزَ الْحَاسِد رَبّه مِنْ خَمْسَة أَوْجُه :

أَحَدهَا : أَنَّهُ أَبْغَضَ كُلّ نِعْمَة ظَهَرَتْ عَلَى غَيْره .

وَثَانِيهَا : أَنَّهُ سَاخِط لِقِسْمَةِ رَبّه , كَأَنَّهُ يَقُول : لِمَ قَسَمْت هَذِهِ الْقِسْمَة ؟

وَثَالِثهَا : أَنَّهُ ضَادَّ فِعْل اللَّه , أَيْ إِنَّ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَهُوَ يَبْخَل بِفَضْلِ اللَّه .

وَرَابِعهَا : أَنَّهُ خَذَلَ أَوْلِيَاء اللَّه , أَوْ يُرِيد خِذْلَانهمْ وَزَوَال النِّعْمَة عَنْهُمْ .

وَخَامِسهَا : أَنَّهُ أَعَانَ عَدُوّهُ إِبْلِيس . وَقِيلَ : الْحَاسِد لَا يَنَال فِي الْمَجَالِس إِلَّا نَدَامَة , وَلَا يَنَال عِنْد الْمَلَائِكَة إِلَّا لَعْنَة وَبَغْضَاء , وَلَا يَنَال فِي الْخَلْوَة إِلَّا جَزَعًا وَغَمًّا , وَلَا يَنَال فِي الْآخِرَة إِلَّا حُزْنًا وَاحْتِرَاقًا , وَلَا يَنَال مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا وَمَقْتًا .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ثَلَاثَة لَا يُسْتَجَاب دُعَاؤُهُمْ : آكِل الْحَرَام , وَمُكْثِر الْغِيبَة , وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبه غِلّ أَوْ حَسَد لِلْمُسْلِمِينَ ) . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القواعد الحسنى في تأويل الرؤى

    القواعد الحسنى في تأويل الرؤى: كتاب يتحدث عن القواعد الأساسية التي يحتاجها معبر الرؤى، حيث يحتوي على أربعين قاعدة مع أمثلة واقعية من الماضي والحاضر وطريقة تعبيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233610

    التحميل:

  • علاقات الكبار: النبي محمد يقدم أخاه المسيح للبشرية [ عليهما الصلاة والسلام ]

    « علاقات الكبار: النبي محمد يقدم أخاه المسيح للبشرية »: إصدار من ضمن إصدارات مشروع الكتب العالمية عن الإسلام والمملكة العربية السعودية، وقد تم ترجمته إلى العديد من اللغات منها الإنجليزية، والفرنسية، والدانماركية. ويحتوي الكتاب على ستة فصول: تحدث المؤلف في الفصل الأول عن وحدة المبادئ الأساسية في النبوة. أما الفصل الثاني فخصصه المؤلف لكيفية تقديم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أخاه المسيح - عليه السلام - للبشرية. وفي الفصل الثالث يقدم المؤلف أدلة من القرآن الكريم تؤكد طهارة مريم وتشهد بعذريتها وطهارتها وعصمتها من مس الرجال. وهي المبشرة بالمولود العظيم الوجيه، وهي المرفوع ذكرها في القرآن. وفي الفصل الرابع استعرض المؤلف تقديم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أخيه النبي موسى - عليه السلام -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حث المسلمين على صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي نجي فيه موسى - عليه السلام -. وفي الفصل الخامس تحدث المؤلف عن الجمال والحب في كلمات النبي وأفعاله، وختم المؤلف كتابه بفصل يتحدث عن مقام - النبي صلى الله عليه وسلم - عند ربه ومكانته عند المسلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57259

    التحميل:

  • هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

    هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا : عرض المؤلف في هذا الكتاب أكثر من خمسين خلقاً، وقد تميز الكتاب بالإيجاز والبساطة والوضوح، مع استقاء المواضيع من تجربة عملية.

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353703

    التحميل:

  • كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والطرقَ في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338049

    التحميل:

  • من أسباب السعادة

    ابتدأ المؤلف الكتاب ببيان أن السعادة مطلب للجميع، وذكر تنوع مشارب الناس في فهم السعادة وطرقهم في محاولة التوصل إليها، وفندها طريقا ً طريقا ً، إلى أن أوقف القارئ على الطريق الحقيقي لتحصيل السعادة، وبعد ذلك ذكر جملة من الأسباب المعينة على الوصول إليها، وزين ذلك كله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وكذلك بأمثلة حسية واقعية، حتى ظهرت بحمد الله رسالة نافعة على صغر حجمها، سهلة التناوب سلسة الأسلوب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/261584

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة