Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النصر - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) (النصر) mp3
أَيْ إِذَا صَلَّيْت فَأَكْثِرْ مِنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَى سَبِّحْ : صَلِّ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس : " بِحَمْدِ رَبّك " أَيْ حَامِدًا لَهُ عَلَى مَا آتَاك مِنْ الظَّفَر وَالْفَتْح . " وَاسْتَغْفِرْهُ " أَيْ سَلْ اللَّه الْغُفْرَان . وَقِيلَ : " فَسَبِّحْ " الْمُرَاد بِهِ : التَّنْزِيه ; أَيْ نَزِّهْهُ عَمَّا لَا يَجُوز عَلَيْهِ مَعَ شُكْرك لَهُ . " وَاسْتَغْفِرْهُ " أَيْ سَلْ اللَّه الْغُفْرَان مَعَ مُدَاوَمَة الذِّكْر . وَالْأَوَّل أَظْهَر . رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : مَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة بَعْد أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَة " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " إِلَّا يَقُول : [ سُبْحَانك رَبّنَا وَبِحَمْدِك , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ] وَعَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر أَنْ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده : [ سُبْحَانك اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِك , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ] . يَتَأَوَّل الْقُرْآن . وَفِي غَيْر الصَّحِيح : وَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِر أَمْره لَا يَقُوم وَلَا يَقْعُد وَلَا يَجِيء وَلَا يَذْهَب إِلَّا قَالَ : [ سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ , أَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ - قَالَ - فَإِنِّي أُمِرْت بِهَا - ثُمَّ قَرَأَ - " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " إِلَى آخِرهَا ] . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِجْتَهَدَ النَّبِيّ بَعْد نُزُولهَا , حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ . وَنَحَلَ جِسْمه , وَقَلَّ تَبَسُّمه , وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ . وَقَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ أَشَدّ اِجْتِهَادًا فِي أُمُور الْآخِرَة مَا كَانَ مِنْهُ عِنْد نُزُولهَا . وَقَالَ مُقَاتِل : لَمَّا نَزَلَتْ قَرَأَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابه , وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا , وَبَكَى الْعَبَّاس ; فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ مَا يُبْكِيك يَا عَمّ ؟ ] قَالَ : نُعِيَتْ إِلَيْك نَفْسك . قَالَ : [ إِنَّهُ لَكَمَا تَقُول ] ; فَعَاشَ بَعْدهَا سِتِّينَ يَوْمًا , مَا رُئِيَ فِيهَا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي مِنًى بَعْد أَيَّام التَّشْرِيق , فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَبَكَى عُمَر وَالْعَبَّاس , فَقِيلَ لَهُمَا : إِنَّ هَذَا يَوْم فَرَح , فَقَالَا : بَلْ فِيهِ نَعْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ صَدَقْتُمَا , نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي ] . وَفِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَأْذَن لِأَهْلِ بَدْر , وَيَأْذَن لِي مَعَهُمْ . قَالَ : فَوَجِدَ بَعْضهمْ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالُوا : يَأْذَن لِهَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَمِنْ أَبْنَائِنَا مَنْ هُوَ مِثْله فَقَالَ لَهُمْ عُمَر : إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ . قَالَ : فَأَذِنَ لَهُمْ ذَات يَوْم , وَأَذِنَ لِي مَعَهُمْ , فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَة : " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " فَقَالُوا : أَمَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فُتِحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرهُ , وَأَنْ يَتُوب إِلَيْهِ . فَقَالَ : مَا تَقُول يَا اِبْن عَبَّاس ؟ قُلْت : لَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَكِنْ أَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُضُور أَجَله , فَقَالَ : " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " , فَذَلِكَ عَلَامَة مَوْتك . " فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا " . فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : تَلُومُونَنِي عَلَيْهِ ؟ وَفِي الْبُخَارِيّ فَقَالَ عُمَر : مَا أَعْلَم مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُول . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ , قَالَ : كَانَ عُمَر يَسْأَلنِي مَعَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : أَتَسْأَلُهُ وَلَنَا بَنُونَ مِثْله ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَر : إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَم . فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة : " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " . فَقُلْت : إِنَّمَا هُوَ أَجَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ ; وَقَرَأَ السُّورَة إِلَى آخِرهَا . فَقَالَ لَهُ عُمَر : وَاَللَّه مَا أَعْلَم مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَم . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . فَإِنْ قِيلَ : فَمَاذَا يُغْفَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُؤْمَر بِالِاسْتِغْفَارِ ؟ قِيلَ لَهُ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي دُعَائِهِ : [ رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي , وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلّه , وَمَا أَنْتَ أَعْلَم بِهِ مِنِّي . اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي , وَجَهْلِي وَهَزْلِي , وَكُلّ ذَلِكَ عِنْدِي . اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت , وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَسْرَرْت , أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر , إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير ] . فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَقْصِر نَفْسه لِعِظَمِ مَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ عَلَيْهِ , وَيَرَى قُصُوره عَنْ الْقِيَام بِحَقِّ ذَلِكَ ذُنُوبًا . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى : كُنْ مُتَعَلِّقًا بِهِ , سَائِلًا رَاغِبًا , مُتَضَرِّعًا عَلَى رُؤْيَة التَّقْصِير فِي أَدَاء الْحُقُوق ; لِئَلَّا يَنْقَطِع إِلَى رُؤْيَة الْأَعْمَال . وَقِيلَ : الِاسْتِغْفَار تَعَبُّد يَجِب إِتْيَانه , لَا لِلْمَغْفِرَةِ , بَلْ تَعَبُّدًا . وَقِيلَ : ذَلِكَ تَنْبِيه لِأُمَّتِهِ , لِكَيْلَا يَأْمَنُوا وَيَتْرُكُوا الِاسْتِغْفَار . وَقِيلَ : " وَاسْتَغْفِرْهُ " أَيْ اِسْتَغْفِرْ لِأُمَّتِك .

أَيْ عَلَى الْمُسَبِّحِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ , يَتُوب عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمهُمْ , وَيَقْبَل تَوْبَتهمْ . وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ مَعْصُوم يُؤْمَر بِالِاسْتِغْفَارِ , فَمَا الظَّنّ بِغَيْرِهِ ؟ رَوَى مُسْلِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر مِنْ قَوْل : [ سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ , أَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ ] . فَقَالَ : ( خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَة فِي أُمَّتِي , فَإِذَا رَأَيْتهَا أَكْثَرْت مِنْ قَوْل سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ , أَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ , فَقَدْ رَأَيْتهَا : " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " - فَتْح مَكَّة - " وَرَأَيْت النَّاس يَدْخُلُونَ فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا " ) . وَقَالَ اِبْن عُمَر : نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة بِمِنًى فِي حَجَّة الْوَدَاع ; ثُمَّ نَزَلَتْ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " [ الْمَائِدَة : 3 ] فَعَاشَ بَعْدهمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِينَ يَوْمًا . ثُمَّ نَزَلَتْ آيَة الْكَلَالَة , فَعَاشَ بَعْدهَا خَمْسِينَ يَوْمًا . ثُمَّ نَزَلَ " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ " [ التَّوْبَة : 128 ] فَعَاشَ بَعْدهَا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا . ثُمَّ نَزَلَ " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه " فَعَاشَ بَعْدهَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا . وَقَالَ مُقَاتِل سَبْعَة أَيَّام . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه وَالْحَمْد لِلَّهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

  • عقيدة أهل السنة والجماعة

    عقيدة أهل السنة والجماعة: تشتمل هذه الرسالة على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي أبواب الإِيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدَر خيره وشره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بحي سلطانة بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1874

    التحميل:

  • أمراض القلوب وشفاؤها

    في هذه الرسالة بيان بعض أمراض القلوب وشفاؤها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209148

    التحميل:

  • حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

    حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونماذج من رسائله، وشهادات علماء الحرمين له : تتكون هذه الرسالة من الفصول التالية: الفصل الأول: حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثاني: حقيقة دعوة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثالث: في بيان الجانب السياسي لدعوة الإمام. الفصل الرابع: في بيان الإمام لعقيدته التي يدين الله بها ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى. الفصل الخامس: من البراهين على صحة دعوة الإمام، وأنها تجديد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268331

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ البراك ]

    كشف الشبهات: رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد حرص عدد كبير من أهل لعلم على شرحها وتوضيح معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - أثابه الله - وفي هذه الصفحة نسخة pdf من هذا الشرح الذي أعد أصله اللجنة العلمية بشبكة نور الإسلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322167

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة