Muslim Library

تفسير السعدي - سورة هود - الآية 95

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) (هود) mp3
" كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا " أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم, ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب.
" أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ " إذ أهلكها الله وأخزاها " كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ " أي: قد اشتركت هاتان القبيلتان, في السحق, والبعد, والهلاك.
وشعيب عليه السلام, كان يسمى خطيب الأنبياء, لحسن مراجعته لقومه.
وفي قصته من الفوائد والعبر, شيء كثير.
منها: أن الكفار, كما يعاقبون, ويخاطبون, بأصل الإسلام, فكذلك بشرائعه وفروعه, لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد, وإلى إيفاء المكيال والميزان, وجعل الوعيد, مرتبا على مجموع ذلك.
ومنها: أن نقص المكاييل والموازين, من كبائر الذنوب, وتخشى العقوبة العاجلة, على من تعاطى ذلك, وأن ذلك, من سرقة أموال الناس.
وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين, موجبة للوعيد, فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى, وأحرى.
ومنها: أن الجزاء عن جنس العمل.
فمن بخس أموال الناس, يريد زيادة ماله, عوقب بنقيض ذلك, وكان سببا لزوال الخير, الذي عنده, من الرزق لقوله: " إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ " أي: فلا تتسببوا إلى زواله بفعلكم.
ومنها: أن على العبد, أن يقنع بما آتاه الله, ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة, عن المكاسب المحرمة, وأن ذلك خير له لقوله: " بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ " .
ففي ذلك, من البركة, وزيادة الرزق, ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة, من المحق, وضد البركة.
ومنها: أن ذلك, من لوازم الإيمان, وآثاره, فإنه رتب العمل به, على وجود الإيمان.
فدل, على أنه إذا لم يوجد العمل, فالإيمان ناقص, أو معدوم.
ومنها: أن الصلاة, لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين, وأنها من أفضل الأعمال.
حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها, وتقديمها على سائر الأعمال, وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر, وهي ميزان للإيمان وشرائعه.
فبإقامتها على وجهها, تكمل أحوال العبد, وبعدم إقامتها, تختل أحواله الدينية.
ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء, فإنه أمانة عنده, عليه أن يقيم حق الله فيه, بأداء ما فيه, من الحقوق, والامتناع من المكاسب, التي حرمها الله ورسوله.
لا كما يزعمه الكفار, ومن أشبههم, أن أموالهم, لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون,, سواء وافق حكم الله, أو خالفه.
ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها, أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به.
وأول منته, عما ينهى غيره عنه, كما قال شعيب عليه السلام: " وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ " ولقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ " .
ومنها: أن وظيفة الرسل, وسنتهم, وملتهم, إرادة الإصلاح, بحسب القدرة والإمكان, بتحصيل المصالح وتكميلها, أو بتحصيل ما يقدر عليه منها, وبدفع المفاسد وتقليلها, ويراعون المصالح الخاصة.
وحقيقة المصلحة, هي التي تصلح بها أحوال العباد, وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.
ومنها: أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح, لم يكن ملوما ولا مذموما, في عدم فعله, ما لا يقدر عليه.
فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه, وفي غيره, ما يقدر عليه.
ومنها: أن العبد, ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين.
بل لا يزال مستعينا بربه, متوكلا عليه, سائلا له التوفيق.
وإذا حصل له شيء من التوفيق, فلينسبه لموليه ومسديه, ولا يعجب بنفسه لقوله: " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " .
ومنها: الترهيب بأخذات الأمم, وما جرى عليهم, وأنه ينبغي أن تذكر القصص, التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين, في سياق الوعظ والزجر.
كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى, عند الترغيب, والحث على التقوى.
ومنها: أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه, ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده.
ولا عيرة بقول من يقول " إن التائب إذا تاب, فحسبه أن يغفر له, ويعود عليه بالعفو, وأما عود الود الحب فإنه لا يعود " .
فإن الله قال: " وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ " .
ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة, قد يعلمون بعضها, وقد لا يعلمون شيئا منها.
وربما دفع عنهم, بسبب قبيلتهم, وأهل وطنهم الكفار, كما دفع الله عن شعيب, رجم قومه, بسبب رهطه.
وأن هذه الروابط, التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين, لا بأس بالسعي فيها, بل ربما تعين ذلك.
لأن الإصلاح مطلوب, على حسب القدرة والإمكان.
فعلى هذا, لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار, وعملوا على جعل الولاية جمهورية, يتمكن فيها الأفراد والشعوب, من حقوقهم, الدينية والدنيوية, لكان أولى, من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم, الدينية والدنيوية, وتحرص على إبادتها, وجعلهم عملة وخدما لهم.
نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين, وهم الحكام, فهو المتعين.
ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة, فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا, مقدمة.
والله أعلم.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر

    تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر: بيَّن المؤلف في هذا الكتاب عِظَم قدر هذه السورة؛ حيث إنها تسمى سورة التوديع؛ لأنها نزلت آخر سور القرآن، وكانت إنباءً بقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ نزولها والنبي - صلى الله يُكثِر من الاستغفار امتثالاً لأمر ربه - جل وعلا -، لذا وجبت العناية بها وتدبر معانيها وكلام أهل العلم في تفسيرها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314993

    التحميل:

  • صلاة العيدين في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة العيدين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في: صلاة العيدين وما يتعلق بهما من أحكام، بينت فيها بتوفيق الله - عز وجل -: مفهوم صلاة العيدين، وحكمهما، وآدابهما، وشروط وجوبهما، ووقتهما، وأن خطبة صلاة العيدين بعد الصلاة، وذكرت التكبير أيام العيدين، وأنواعه، وحكم اجتماع العيد والجمعة، وبينت أحكام زكاة الفطر، وأحكام الأضحية، وذكرت بعض المنكرات التي تحصل أيام العيدين، كل ذلك مقرونًا بالأدلة من الكتاب والسنة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58443

    التحميل:

  • هل افتدانا المسيح على الصليب؟

    هل افتدانا المسيح على الصليب؟ : في هذه الرسالة نطرح سؤالين هامين، أحدهما تاريخي، والآخر عقدي، أولهما: هل صلب المسيح - عليه السلام - كما تذكر الأناجيل، وكما تجمع الفرق النصرانية المعاصرة؟ والسؤال الثاني، وهو متعلق بالسؤال الأول، ونطرحه جدلاً - إن قلنا بصلب المسيح - : فهل كان صلبه فداء لنا وللبشرية؟ وتثور تبعاً لهذا السؤال أسئلة كثيرة: مم الخلاص؟ من دينونة جهنم أم من نكد الدنيا وعثراتها؟ وهل الخلاص متعلق بذنب أبوينا - آدم وحواء -فقط أم يسري إلى كافة ذنوبنا وخطايانا؟ وهل الخلاص مشروط أم أنه منحة محبة من الله ومسيحه، وهي أعظم من أن يطلب لها مقابل؟ ثم هل الخلاص لليهود الذين اختص المسيح بهم في رسالته أم يمتد ليشمل الجنس البشري الذي ولد مسربلاً بالخطيئة؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عنها في حلقتنا الرابعة من سلسلة الهدى والنور، ونجملها في سؤال يلُم شعثها: هل افتدانا المسيح على الصليب؟ نجيب عنه بموضوعية ومنهجية علمية، نقلب صفحات الأسفار المقدسة عند النصارى، ونحتكم وإياهم إلى العقل المجرد والفطرة السوية، مستشهدين بدلالة التاريخ وحكمة عقلائه من النصارى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228826

    التحميل:

  • الحج المبرور

    الحج المبرور : كتاب للشيخ أبي بكر الجزائري - أثابه الله - يتحدث فيه عن مناسك الحج، وآداب زيارة المسجد النبوي الشريف، وهو يحتوي على شتى مسائل مناسك الحج، ويشتمل على الكثير من الآداب والفضائل.

    الناشر: مكتبة العلوم والحكم للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/250747

    التحميل:

  • مجمل اعتقاد أئمة السلف

    مجمل اعتقاد أئمة السلف : فإِن المُتَتبع لما أُثِر عن سلفنا الصالح في أصول الدين، يجد اتفاقًا في جُلِّ مسائِله، ويجد اعتناءً خاصا بقضايا العقيدة، واهتمامًا بها في التعليم والتوجيه والدعوة على خلاف ما نراه اليوم في كثير من بلاد العالم الإِسلامي، مما أحدث شيئًا من الاختلاف والتَّخبّطِ لدى بعض الجماعات والطوائف الإِسلامية، وفي هذه الرسالة مجمل لاعتقادهم مجموعة من أقوالهم، مقدمًا لهذه النصوص بمقدمةٍ عن أهمية توحيد الله في رُبوبيَّتِه، وألوهيَّته، وأسمائه، وصفاته، وكيف بَيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ذلك أتمَّ بيانٍ وأكمله، وكيف خدم علماءُ المسلمين جيلًا بعد جيلٍ العقيدةَ الإِسلامية، وأثر ذلك في مجتمعاتهم إِلى وقتنا الحاضر.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144879

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة