Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 81

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) (هود) mp3
لَمَّا رَأَتْ الْمَلَائِكَة حُزْنه وَاضْطِرَابه وَمُدَافَعَته عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ , فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُل مَكَّنَ قَوْمه مِنْ الدُّخُول , فَأَمَرَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يَده عَلَى أَعْيُنهمْ فَعَمُوا , وَعَلَى أَيْدِيهمْ فَجَفَّتْ .


أَيْ بِمَكْرُوهٍ


فَاسْرِ " بِوَصْلِ الْأَلِف وَقَطْعهَا ; لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاللَّيْل إِذَا يَسْرِ " [ الْفَجْر : 4 ] وَقَالَ : " سُبْحَان الَّذِي أَسْرَى " [ الْإِسْرَاء : 1 ] وَقَالَ النَّابِغَة : فَجَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ : أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْزَاء سَارِيَة تُزْجِي الشَّمَال عَلَيْهِ جَامِد الْبَرَد وَقَالَ آخَر : حَيِّ النَّضِيرَة رَبَّة الْخِدْر أَسْرَتْ إِلَيْك وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي وَقَدْ قِيلَ : " فَأَسْرِ " بِالْقَطْعِ إِذَا سَارَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل , وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِره ; وَلَا يُقَال فِي النَّهَار إِلَّا سَارَ . وَقَالَ لَبِيد : إِذَا الْمَرْء أَسْرَى لَيْلَة ظَنَّ أَنَّهُ قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْء مَا عَاشَ عَامِل وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة : عِنْد الصَّبَاح يَحْمَد الْقَوْم السُّرَى وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَات الْكَرَى


قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِطَائِفَةٍ مِنْ اللَّيْل . الضَّحَّاك : بِبَقِيَّةٍ مِنْ اللَّيْل . قَتَادَة : بَعْد مُضِيّ صَدْر مِنْ اللَّيْل . الْأَخْفَش : بَعْد جُنْح مِنْ اللَّيْل . اِبْن الْأَعْرَابِيّ : بِسَاعَةٍ مِنْ اللَّيْل . وَقِيلَ : بِظُلْمَةٍ مِنْ اللَّيْل . وَقِيلَ : بَعْد هَدْء مِنْ اللَّيْل . وَقِيلَ : هَزِيع مِنْ اللَّيْل . وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة ; وَقِيلَ : إِنَّهُ نِصْف اللَّيْل ; مَأْخُوذ مِنْ قَطْعه نِصْفَيْنِ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَنَائِحَة تَنُوح بِقَطْعِ لَيْل عَلَى رَجُل بِقَارِعَةِ الصَّعِيد فَإِنْ قِيلَ : السُّرَى لَا يَكُون إِلَّا بِاللَّيْلِ , فَمَا مَعْنَى " بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل " ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ : " بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل " جَازَ أَنْ يَكُون أَوَّله .

أَيْ لَا يَنْظُر وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أَحَد ; قَالَهُ مُجَاهِد . اِبْن عَبَّاس : لَا يَتَخَلَّف مِنْكُمْ أَحَد . عَلِيّ بْن عِيسَى لَا يَشْتَغِل مِنْكُمْ أَحَد بِمَا يُخَلِّفهُ مِنْ مَال أَوْ مَتَاع .



بِالنَّصْبِ ; وَهِيَ الْقِرَاءَة الْوَاضِحَة الْبَيِّنَة الْمَعْنَى ; أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِك إِلَّا اِمْرَأَتك . وَكَذَا فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " فَأَسْرِ بِأَهْلِك إِلَّا اِمْرَأَتك " فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْأَهْل . وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُج بِهَا مَعَهُ . وَقَدْ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ " [ الْأَعْرَاف : 83 ] أَيْ مِنْ الْبَاقِينَ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير : " إِلَّا اِمْرَأَتك " بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَل مِنْ " أَحَد " . وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَة جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْد ; وَقَالَ : لَا يَصِحّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ " يَلْتَفِت " وَيَكُون نَعْتًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِير - إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ - أَنَّ الْمَرْأَة أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَات , وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الْحَمْل مِنْ أَبِي عُبَيْد وَغَيْره عَلَى مِثْل أَبِي عَمْرو مَعَ جَلَالَته وَمَحَلّه مِنْ الْعَرَبِيَّة لَا يَجِب أَنْ يَكُون ; وَالرَّفْع عَلَى الْبَدَل لَهُ مَعْنَى صَحِيح , وَالتَّأْوِيل لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّد بْن الْوَلِيد عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَنْ يَقُول الرَّجُل لِحَاجِبِهِ : لَا يَخْرُج فُلَان ; فَلَفْظ النَّهْي لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ ; أَيْ لَا تَدَعهُ يَخْرُج ; وَمِثْله قَوْلك : لَا يَقُمْ أَحَد إِلَّا زَيْد ; يَكُون مَعْنَاهُ : اِنْهَهُمْ عَنْ الْقِيَام إِلَّا زَيْدًا ; وَكَذَلِكَ النَّهْي لِلُوطٍ وَلَفْظه لِغَيْرِهِ ; كَأَنَّهُ قَالَ : اِنْهَهُمْ لَا يَلْتَفِت مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا اِمْرَأَتك فَإِنَّهَا تَلْتَفِت وَتَهْلِك , وَأَنَّ النَّهْي عَنْ الِالْتِفَات لِأَنَّهُ كَلَام تَامّ ; أَيْ لَا يَلْتَفِت مِنْكُمْ أَحَد إِلَّا اِمْرَأَتك فَإِنَّهَا تَلْتَفِت وَتَهْلِك , وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا , وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِت , فَلَمْ يَلْتَفِت مِنْهُمْ أَحَد سِوَى زَوْجَته ; فَإِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ هَدَّة الْعَذَاب اِلْتَفَتَتْ وَقَالَتْ : وَاقَوْمَاه ! فَأَدْرَكَهَا حَجَر فَقَتَلَهَا .


أَيْ مِنْ الْعَذَاب , وَالْكِنَايَة فِي " إِنَّهُ " تَرْجِع إِلَى الْأَمْر وَالشَّأْن ; أَيْ فَإِنَّ الْأَمْر وَالشَّأْن وَالْقِصَّة

لَمَّا قَالَتْ الْمَلَائِكَة : " إِنَّا مُهْلِكُو أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة " [ الْعَنْكَبُوت : 31 ] قَالَ لُوط : الْآن الْآن . اِسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمه ; فَقَالُوا :



أَلَيْسَ الصُّبُح " بِضَمِّ الْبَاء وَهِيَ لُغَة . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جَعَلَ الصُّبْح مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ ; لِأَنَّ النُّفُوس فِيهِ أَوْدَع , وَالنَّاس فِيهِ أَجْمَع . وَقَالَ بَعْض أَهْل التَّفْسِير : إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرهمَا عِنْد طُلُوع الْفَجْر ; وَأَنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ لَهُ : إِنَّ اللَّه قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَة مَلَائِكَة مَعَهُمْ صَوْت رَعْد , وَخَطْف بَرْق , وَصَوَاعِق عَظِيمَة , وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ ; وَأَمَارَته أَنَّهُ لَا يَلْتَفِت , وَلَا تَلْتَفِت اِبْنَتَاهُ فَلَا يُهَوِّلَنَّك مَا تَرَى . فَخَرَجَ لُوط وَطَوَى اللَّه لَهُ الْأَرْض فِي وَقْته حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الصدور بتحريم رفع القبور

    شرح الصدور بتحريم رفع القبور: بيان حكم رفع القبور والبناء عليها بالأدلة من الكتاب والسنة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2106

    التحميل:

  • الحج المبرور

    الحج المبرور: رسالة موجزة فيها بيان لأعمال العمرة والحج، وخطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عرفة وما يستفاد منها، وآداب زيارة المسجد النبوي... وغير ذلك بأسلوب سهل ومختصر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1890

    التحميل:

  • جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف

    جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف: يهدف هذا البحث من خلال المنهج التحليلي إلى الكشف عن الأوجه البلاغية في قصة المراودة في سورة يوسف، بغية إثراء الجانب التطبيقي في البلاغة القرآنية، وبيان أثر المنهج البلاغي في كشف المعاني الدقيقة والإقناع بها.

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332093

    التحميل:

  • معالم لقارئ القرآن الكريم

    معالم لقارئ القرآن الكريم: هذه الرسالة مُتعلِّقة بقارئ القرآن الكريم، ذكر فيها الشيخ - حفظه الله - شيئًا من علوم القرآن وبعض الفوائد المتعلقة بها، وذكر طريقةً في فهم وتفسير القرآن، ثم في ختام الرسالة نقل فتاوى العلماء المتعلقة بالقرآن الكريم. - قدَّم له: الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346604

    التحميل:

  • مقالات لكبار كتاب العربية في العصر الحديث

    مقالات لكبار كتاب العربية في العصر الحديث : هذه المجموعة تشتمل على أبواب متفرقة، وموضوعات متنوعة؛ في العلم والدعوة، وفي الإصلاح، وبيان أصول السَّعادة، وفي الأخلاق والتَّربية، وفي السِّياسة والاجتماع، وفي قضايا الشَّباب والمرأة، وفي أبواب الشِّعر والأدب، وفي العربيَّة وطرق التَّرقِّي في الكتابة، كما أنها تشتمل على مقالات في السِّيرة النبويَّة، وبيان محاسن الإسلام، ودحض المطاعن التي تثار حوله. وسيجد القارئ فيها جِدَّة الطَّرح، وعمقه، وقوَّته، وطرافةَ بعض الموضوعات، ونُدرةَ طرقها، وسينتقل من خلالها من روضة أنيقة إلى روضة أخرى، وسيجد الأساليب الرَّاقية المتنوِّعة؛ إذ بعضها يميل إلى الجزالة والشَّماسة، وبعضها يجنح إلى السُّهولة والسَّلاسة، وهكذا.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172259

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة