Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 78

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) (هود) mp3
فِي مَوْضِع الْحَال . " يُهْرَعُونَ " أَيْ يُسْرِعُونَ . قَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل اللُّغَة : لَا يَكُون الْإِهْرَاع إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رَعْدَة ; يُقَال : أَهْرَعَ الرَّجُل إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رَعْدَة مِنْ بَرْد أَوْ غَضَب أَوْ حُمَّى , وَهُوَ مُهْرِع ; قَالَ مُهَلْهِل : فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى نَقُودهُمْ عَلَى رَغْم الْأُنُوف وَقَالَ آخَر : بِمُعْجَلَاتِ نَحْوه مَهَارِع وَهَذَا مِثْل : أُولِعَ فُلَان بِالْأَمْرِ , وَأُرْعِدَ زَيْد . وَزُهِيَ فُلَان . وَتَجِيء وَلَا تُسْتَعْمَل إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْه . وَقِيلَ : أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصه ; وَعَلَى هَذَا " يُهْرَعُونَ " أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ . وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : لَمْ يُسْمَع إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُل أَيْ أَسْرَعَ ; عَلَى لَفْظ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . قَالَ اِبْن الْقُوطِيَّة : هُرِعَ الْإِنْسَان هَرَعًا , وَأُهْرِعَ : سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ يُقَال : هُرِعَ الرَّجُل وَأُهْرِعَ أَيْ اُسْتُحِثَّ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ : ( " يُهْرَعُونَ " يُهَرْوِلُونَ ) . الضَّحَّاك : يَسْعَوْنَ . اِبْن عُيَيْنَة : كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ . وَقَالَ شِمْر بْن عَطِيَّة : هُوَ مَشْي بَيْن الْهَرْوَلَة وَالْجَمَزَى . وَقَالَ الْحَسَن : مَشْي بَيْن مَشْيَيْنِ ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَكَانَ سَبَب إِسْرَاعهمْ مَا رُوِيَ أَنَّ اِمْرَأَة لُوط الْكَافِرَة , لَمَّا رَأَتْ الْأَضْيَاف وَجَمَالهمْ وَهَيْئَتهمْ , خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِس قَوْمهَا , فَقَالَتْ لَهُمْ : إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَة فِتْيَة مَا رُئِيَ مِثْلهمْ جَمَالًا ; وَكَذَا وَكَذَا ; فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ . وَيُذْكَر أَنَّ الرُّسُل لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَد لُوط وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْث لَهُ . وَقِيلَ : وَجَدُوا اِبْنَته تَسْتَقِي مَاء مِنْ نَهَر سَدُوم ; فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَة عَلَى مَنْ يُضَيِّفهُمْ , وَرَأَتْ هَيْئَتهمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْم لُوط , وَقَالَتْ لَهُمْ : مَكَانكُمْ ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ ; فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ; فَقَالُوا : نُرِيد أَنْ تُضَيِّفنَا اللَّيْلَة ; فَقَالَ لَهُمْ : أَوَمَا سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم ؟ فَقَالُوا : وَمَا عَمَلهمْ ؟ فَقَالَ أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرّ قَوْم فِي الْأَرْض - وَقَدْ كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَد لُوط عَلَيْهِمْ أَرْبَع شَهَادَات - فَلَمَّا قَالَ لُوط هَذِهِ الْمَقَالَة , قَالَ جِبْرِيل لِأَصْحَابِهِ : هَذِهِ وَاحِدَة , وَتَرَدَّدَ الْقَوْل بَيْنهمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوط الشَّهَادَة أَرْبَع مَرَّات , ثُمَّ دَخَلَ بِهِمْ الْمَدِينَة .



أَيْ وَمِنْ قَبْل مَجِيء الرُّسُل . وَقِيلَ : مِنْ قَبْل لُوط .


أَيْ كَانَتْ عَادَتهمْ إِتْيَان الرِّجَال .


فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لُوط وَقَصَدُوا أَضْيَافه قَامَ إِلَيْهِمْ لُوط مُدَافِعًا , و " قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي " و " هَؤُلَاءِ بَنَاتِي " اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَوْله : " هَؤُلَاءِ بَنَاتِي " فَقِيلَ : كَانَ لَهُ ثَلَاث بَنَات مِنْ صُلْبه . وَقِيلَ : بِنْتَانِ ; زيتا وزعوراء ; فَقِيلَ : كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجهُمَا اِبْنَتَيْهِ . وَقِيلَ : نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَة إِلَى النِّكَاح , وَكَانَتْ سُنَّتهمْ جَوَاز نِكَاح الْكَافِر الْمُؤْمِنَة ; وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ ; فَزَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب , وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاص بْن الرَّبِيع قَبْل الْوَحْي , وَكَانَا كَافِرَيْنِ . وَقَالَتْ فِرْقَة - مِنْهُمْ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر - أَشَارَ بِقَوْلِهِ : " بَنَاتِي " إِلَى النِّسَاء جُمْلَة ; إِذْ نَبِيّ الْقَوْم أَب لَهُمْ ; وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ " [ الْأَحْزَاب : 6 ] . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّمَا كَانَ الْكَلَام مُدَافَعَة وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ ; رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ أَبِي عُبَيْدَة ; كَمَا يُقَال لِمَنْ يَنْهَى عَنْ أَكْل مَال الْغَيْر : الْخِنْزِير أَحَلّ لَك مِنْ هَذَا . وَقَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يَعْرِض عَلَيْهِمْ بَنَاته وَلَا بَنَات أُمَّته , وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا .



اِبْتِدَاء وَخَبَر ; أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنّ ; فَهُوَ أَطْهَر لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ , أَيْ أَحَلّ . وَالتَّطَهُّر التَّنَزُّه عَمَّا لَا يَحِلّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاته فَلَمْ يُجِبْهُمْ , وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْم أَنْ يَفْدِي أَضْيَافه بِبَنَاتِهِ ) . وَلَيْسَ أَلِف " أَطْهَر " لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّم أَنَّ فِي نِكَاح الرِّجَال طَهَارَة , بَلْ هُوَ كَقَوْلِك : اللَّه أَكْبَر وَأَعْلَى وَأَجَلّ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَفْضِيلًا ; وَهَذَا جَائِز شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَمْ يُكَابِر اللَّه تَعَالَى أَحَد حَتَّى يَكُون اللَّه تَعَالَى أَكْبَر مِنْهُ . وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب يَوْم أُحُد : اُعْلُ هُبَل اُعْلُ هُبَل ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر : ( قُلْ اللَّه أَعْلَى وَأَجَلّ ) . وَهُبَل لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا . وَقَرَأَ الْعَامَّة بِرَفْعِ الرَّاء . وَقَرَأَ الْحَسَن وَعِيسَى بْن عَمْرو " هُنَّ أَطْهَر " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال . و " هُنَّ " عِمَاد . وَلَا يُجِيز الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَش أَنْ يَكُون " هُنَّ " هَاهُنَا عِمَادًا , وَإِنَّمَا يَكُون عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمّ الْكَلَام إِلَّا بِمَا بَعْدهَا , نَحْو كَانَ زَيْد هُوَ أَخَاك , لِتَدُلّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْأَخ لَيْسَ بِنَعْتٍ . قَالَ الزَّجَّاج : وَيَدُلّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاج إِلَى خَبَر . وَقَالَ غَيْره : يَدُلّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَر مَعْرِفَة أَوْ مَا قَارَنَهَا .


أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي . وَمِنْهُ قَوْل حَسَّان : فَأَخْزَاك رَبِّي يَا عُتَيْب بْن مَالِك وَلَقَّاك قَبْل الْمَوْت إِحْدَى الصَّوَاعِق مَدَدْت يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا وَدَمَّيْت فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ الْخَزَايَة , وَهُوَ الْحَيَاء , وَالْخَجَل ; قَالَ ذُو الرُّمَّة : خَزَايَة أَدْرَكَتْهُ بَعْد جَوْلَته مِنْ جَانِب الْحَبْل مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَب وَقَالَ آخَر : مِنْ الْبِيض لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيح أَلْصَقَتْ بِهَا مِرْطهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْي جِيدهَا وَضَيْف يَقَع لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيع عَلَى لَفْظ الْوَاحِد ; لِأَنَّهُ فِي الْأَصْل مَصْدَر ; قَالَ الشَّاعِر : لَا تَعْدَمِي الدَّهْر شِفَار الْجَازِر لِلضَّيْفِ وَالضَّيْف أَحَقّ زَائِر وَيَجُوز فِيهِ التَّثْنِيَة وَالْجَمْع ; وَالْأَوَّل أَكْثَر كَقَوْلِك : رِجَال صَوْم وَفِطْر وَزَوْر . وَخَزِيَ الرَّجُل خَزَايَة ; أَيْ اِسْتَحْيَا مِثْل ذَلَّ وَهَانَ . وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا اِفْتَضَحَ ; يُخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا .



ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ : " أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد " أَيْ شَدِيد يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر . وَقِيلَ : " رَشِيد " أَيْ ذُو رُشْد . أَوْ بِمَعْنَى رَاشِد أَوْ مُرْشِد , أَيْ صَالِح أَوْ مُصْلِح اِبْن عَبَّاس : ( مُؤْمِن ) . أَبُو مَالِك : نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَر . وَقِيلَ : الرَّشِيد بِمَعْنَى الرُّشْد ; وَالرُّشْد وَالرَّشَاد الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمُرْشِد ; كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من أضرار الخمور والمسكرات والمخدرات والدخان والقات والتنباك

    رسالة مختصَرة في أضرار المُسْكِرات والمُخَدِّرات؛ كالخمر، والدُّخَان، والْقَات، والحبوب المُخَدِّرة الضارَّة بالبَدَن، والصِّحَّة، والعقل، والمال، وهي مُستَفادَة مِن كلام الله - تعالى - وكلامِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلامِ العلماء المُحَقِّقِين والأطبَّاءِ المُعْتَبَرِين.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335008

    التحميل:

  • حبي العظيم للمسيح قادني إلى الإسلام

    حبي العظيم للمسيح - عليه السلام - قادني إلى الإسلام: تبين هذه الرسالة كيف أثر المسيح - عليه السلام - في اعتناق الكاتب لدين الإسلام، وكيف أثر الإسلام في حياته، وكيف تأثرت حياة الأخرين نتيجة اسلامه، وفي النهاية عقد مقارنة بين نصوص من القرآن الكريم والكتاب المقدس. - مصدر الكتاب موقع: www.myloveforjesus.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/196286

    التحميل:

  • رفع الملام عن الأئمة الأعلام

    رفع الملام عن الأئمة الأعلام: في هذا الكتاب دافع شيخ الإسلام - رحمه الله - عن أئمة المسلمين، وبين أعذارهم في مخالفة بعض سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يأتي جاهل أو معاند فيتكلم في علماء المسلمين وينتهك أعراضهم، وقد قسم المؤلف هذه الأعذار إلى ثلاثة أعذار رئيسية وهي: 1- عدم اعتقاده أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قاله. 2- عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بهذا القول. 3- اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1953

    التحميل:

  • صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

    صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: رسالة قيمة تشرح كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً وعملاً بأسلوب سهل، مع ذكر الدليل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1963

    التحميل:

  • الحكمة من إرسال الرسل

    بين المؤلف - رحمه الله - بعض الدواعي التي تقتضي إرسال الرسل، والحكمة في اختيار الرسل إلى البشر من جنسهم وبلسان أممهم، كما بين منهج الرسل في الدعوة إلى الله، والطريقة المثلى في الدعوة إلى الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2429

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة