Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) (هود) mp3
أَيْ رَضِيت بِحُكْمِهِ , وَوَثِقْت بِنَصْرِهِ .


أَيْ نَفْس تَدِبّ عَلَى الْأَرْض ; وَهُوَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ .


أَيْ يُصَرِّفهَا كَيْف يَشَاء , وَيَمْنَعهَا مِمَّا يَشَاء ; أَيْ فَلَا تَصِلُونَ إِلَى ضُرِّي . وَكُلّ مَا فِيهِ رُوح يُقَال لَهُ دَابّ وَدَابَّة ; وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : مَالِكهَا , وَالْقَادِر عَلَيْهَا . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : قَاهِرهَا ; لِأَنَّ مَنْ أَخَذْت بِنَاصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْته . وَقَالَ الضَّحَّاك : يُحْيِيهَا ثُمَّ يُمِيتهَا ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَالنَّاصِيَة قُصَاص الشَّعْر فِي مُقَدَّم الرَّأْس . وَنَصَوْت الرَّجُل أَنْصُوهُ نَصْوًا أَيْ مَدَدْت نَاصِيَته . قَالَ اِبْن جُرَيْج : إِنَّمَا خَصَّ النَّاصِيَة ; لِأَنَّ الْعَرَب تَسْتَعْمِل ذَلِكَ إِذَا وَصَفَتْ إِنْسَانًا بِالذِّلَّةِ وَالْخُضُوع ; فَيَقُولُونَ . مَا نَاصِيَة فُلَان إِلَّا بِيَدِ فُلَان ; أَيْ إِنَّهُ مُطِيع لَهُ يُصَرِّفهُ كَيْف يَشَاء . وَكَانُوا إِذَا أَسَرُوا أَسِيرًا وَأَرَادُوا إِطْلَاقه وَالْمَنّ عَلَيْهِ جَزُّوا نَاصِيَته لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَخْرًا عَلَيْهِ ; فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَهُ فِي كَلَامهمْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول " " مَا مِنْ دَابَّة إِلَّا هُوَ آخِذ بِنَاصِيَتِهَا " وَجْهه عِنْدنَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدَّرَ مَقَادِير أَعْمَال الْعِبَاد , ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا , ثُمَّ خَلَقَ خَلْقه , وَقَدْ نَفَذَ بَصَره فِي جَمِيع مَا هُمْ فِيهِ عَامِلُونَ مِنْ قَبْل أَنْ يَخْلُقهُمْ , فَلَمَّا خَلَقَهُمْ وَضَعَ نُور تِلْكَ النَّظْرَة فِي نَوَاصِيهمْ فَذَلِكَ النُّور آخِذ بِنَوَاصِيهِمْ , يُجْرِيهِمْ إِلَى أَعْمَالهمْ الْمُقَدَّرَة عَلَيْهِمْ يَوْم الْمَقَادِير . وَخَلَقَ اللَّه الْمَقَادِير قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة ; رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( قَدَّرَ اللَّه الْمَقَادِير قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة ) . وَلِهَذَا قَوِيَتْ الرُّسُل وَصَارُوا مِنْ أُولِي الْعَزْم لِأَنَّهُمْ لَاحَظُوا نُور النَّوَاصِي , وَأَيْقَنُوا أَنَّ جَمِيع خَلْقه مُنْقَادُونَ بِتِلْكَ الْأَنْوَار إِلَى مَا نَفَذَ بَصَره فِيهِمْ مِنْ الْأَعْمَال , فَأَوْفَرهمْ حَظًّا مِنْ الْمُلَاحَظَة أَقْوَاهُمْ فِي الْعَزْم , وَلِذَلِكَ مَا قَوِيَ هُود النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ : " فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْت عَلَى اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلَّا هُوَ آخِذ بِنَاصِيَتِهَا " وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ نَاصِيَة لِأَنَّ الْأَعْمَال قَدْ نُصَّتْ وَبَرَزَتْ مِنْ غَيْب الْغَيْب فَصَارَتْ مَنْصُوصَة فِي الْمَقَادِير , قَدْ نَفَذَ بَصَر الْخَالِق فِي جَمِيع حَرَكَات الْخَلْق بِقُدْرَةٍ , ثُمَّ وُضِعَتْ حَرَكَات كُلّ مَنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْض حَيًّا فِي جَبْهَته بَيْن عَيْنَيْهِ , فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْهُ نَاصِيَة ; لِأَنَّهَا تَنُصّ حَرَكَات الْعِبَاد بِمَا قَدَّرَ ; فَالنَّاصِيَة مَأْخُوذَة بِمَنْصُوصِ الْحَرَكَات الَّتِي نَظَرَ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهَا قَبْل أَنْ يَخْلُقهَا وَوَصَفَ نَاصِيَة أَبِي جَهْل فَقَالَ : " نَاصِيَة كَاذِبَة خَاطِئَة " [ الْعَلَق : 16 ] يُخْبِر أَنَّ النَّوَاصِي فِيهَا كَاذِبَة خَاطِئَة ; فَعَلَى سَبِيل مَا تَأَوَّلُوهُ يَسْتَحِيل أَنْ تَكُون النَّاصِيَة مَنْسُوبَة إِلَى الْكَذِب وَالْخَطَأ . وَاَللَّه أَعْلَم .



قَالَ النَّحَّاس : الصِّرَاط فِي اللُّغَة الْمِنْهَاج الْوَاضِح ; وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْدِر عَلَى كُلّ شَيْء فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذهُمْ إِلَّا بِالْحَقِّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا خَلَل فِي تَدْبِيره , وَلَا تَفَاوُت فِي خَلْقه سُبْحَانه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مجالس شهر رمضان

    مجالس شهر رمضان : فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144934

    التحميل:

  • شرح ثلاثة الأصول [ ابن باز ]

    ثلاثة الأصول وأدلتها: رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2380

    التحميل:

  • دور الشباب المسلم في الحياة

    في هذه الرسالة بيان دور الشباب المسلم في الحياة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209198

    التحميل:

  • الأمان الثاني [ الاستغفار ]

    الأمان الثاني [ الاستغفار ]: رسالةٌ وضعها المؤلف - حفظه الله - بيَّن فيها أن الله قد وهبَ هذه الأمةَ أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر، وهما: وجود النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد تُوفِّي، والاستغفار، وهذا هو الباقي. وقد عرَّف الاستغفار لغةً واصطلاحًا، وأورد الأدلة من الكتاب والسنة على فضل الاستغفار وآدابه وكيفيته وأهميته ووجوبه.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/354906

    التحميل:

  • العلمانية.. نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة

    العلمانية: تحدثت مقدمة الكتاب عن التقليد الأعمى الذي أصاب الأمة الإسلامية، والذي تمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها، ومن خلالها تبين سبب اختيار موضوع العلمانية؛ مع ذكر المباحث التي اشتملت عليها هذه الرسالة، وجاء في ختام هذه المقدمة بيان معنى العلمانية ومدلولاتها وموقف الإسلام من هذا الغزو الوافد على بلاد المسلمين. ثم ورد الحديث عن التحريف والابتداع في الدين النصراني، وابتدئ بالحديث عن تحريف العقيدة سواء كان في قضية الألوهية أو تحريف الأناجيل وتأليف الأناجيل الكاذبة، ثم انتقل إلى الحديث عن تحريف الشريعة متمثلاً في فصل الدين عن الدولة، مدعين نسبتها إلى المسيح عليه السلام، ثم تحدث عن البدع المستحدثة في الدين النصراني كالرهبانية والغلو في الدين والأسرار المقدسة وعبادة الصور والتماثيل والمعجزات والخوارق وصكوك الغفران، التي جعلت النصرانية توصم بأنها ديانة تركيبية انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس. تلا ذلك ذكر الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في المجتمع الأوروبي، وبيان الصراع بين الكنيسة والعلم في القرن السابع عشر والثامن عشر ومطلع العصر الحديث، والذي يعتبر من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي. ثم ورد الكلام عن الثورة الفرنسية التي كانت فاتحة عصر جديد ضد الكنيسة والملاك الإقطاعيين، وقد جرى الحديث بعده عن الفكر اللاديني ومدارسه الإلحادية التي سعت إلى تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، واختتم هذا الباب بالكلام عن نظرية التطور الداروينية. وقد تطرق الكتاب إلى الحديث عن العلمانية في الحكم بعد ذلك، فبيّن أن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، ثم تكلم عن العلمانية في الاقتصاد، وبين أن للكنيسة أثراً فعالاً في اقتصاد القرون الوسطى، موضحاً أثر المذاهب اللادينية على الاقتصاد، ثم تحدث عن علمانية العلم الناتجة عن الصراع بين الكنيسة والعلم. وعقب هذا انتقل إلى الحديث عن العلمانية في الاجتماع والأخلاق وأثرها على المجتمعات اللادينية في القرون الوسطى والعصور الحديثة، مع بيان أثر العلمانية في الأدب والفن والذي أدى إلى ضياع المجتمعات الغربية اللادينية. وبعدها تكلم عن أسباب العلمانية في الحياة الإسلامية، فبين أن انحراف الأمة الإسلامية في مفهوم الألوهية والإيمان بالقدر من أسباب تقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية، وكذلك التخطيط اليهودي الصليبي وتنفيذه في الحملات الصليبية على العالم الإسلامي كان له الأثر الكبير في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية، ثم انتقل إلى بيان مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، وأكد أن هذه المظاهر العلمانية قد أدت إلى إنشاء جيل أكثر مسخاً وانحلالاً، مما أدى إلى انتشار الفوضى الأخلاقية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. واختتم الكتاب ببيان حكم العلمانية في الإسلام، ثم ورد توضيح بعض النواحي التي تتنافى فيها العلمانية مع الإسلام، مع ذكر النتائج السيئة التي يجنيها الإنسان بسبب اعتناقه لنظام العلمانية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340492

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة