Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 46

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هود) mp3
أَيْ لَيْسَ , مِنْ أَهْلك الَّذِينَ وَعَدْتهمْ أَنْ أُنَجِّيهُمْ ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ الْجُمْهُور : لَيْسَ مِنْ أَهْل دِينك وَلَا وِلَايَتك ; فَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ حُكْم الِاتِّفَاق فِي الدِّين أَقْوَى مِنْ حُكْم النَّسَب .



قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَعُرْوَة وَعِكْرِمَة وَيَعْقُوب وَالْكِسَائِيّ " إِنَّهُ عَمِلَ غَيْر صَالِح " أَيْ مِنْ الْكُفْر وَالتَّكْذِيب ; وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " عَمَل " أَيْ اِبْنك ذُو عَمَل غَيْر صَالِح فَحُذِفَ الْمُضَاف ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . قَالَ : تَرْتَع مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا اِدَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار أَيْ ذَات إِقْبَال وَإِدْبَار . وَهَذَا الْقَوْل وَاَلَّذِي قَبْله يَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِد . وَيَجُوز أَنْ تَكُون الْهَاء لِلسُّؤَالِ ; أَيْ إِنَّ سُؤَالك إِيَّايَ أَنْ أُنَجِّيه . عَمَل غَيْر صَالِح . قَالَ قَتَادَة . وَقَالَ الْحَسَن : مَعْنَى عَمَل غَيْر صَالِح أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشه وَلَمْ يَكُنْ اِبْنه . وَكَانَ لِغَيْرِ رِشْدَة , وَقَالَهُ أَيْضًا مُجَاهِد . قَالَ قَتَادَة سَأَلْت الْحَسَن عَنْهُ فَقَالَ : وَاَللَّه مَا كَانَ اِبْنه ; قُلْت إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ عَنْ نُوح أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي " فَقَالَ : لَمْ يَقُلْ مِنِّي , وَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ اِبْن اِمْرَأَته مِنْ زَوْج آخَر ; فَقُلْت لَهُ : إِنَّ اللَّه حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي " " وَنَادَى نُوح اِبْنه " وَلَا يَخْتَلِف أَهْل الْكِتَابَيْنِ أَنَّهُ اِبْنه ; فَقَالَ الْحَسَن : وَمَنْ يَأْخُذ دِينه عَنْ أَهْل الْكِتَاب ! إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ . وَقَرَأَ : " فَخَانَتَاهُمَا " [ التَّحْرِيم : 10 ] . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : نَادَاهُ وَهُوَ يَحْسَب أَنَّهُ اِبْنه , وَكَانَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشه , وَكَانَتْ اِمْرَأَته خَانَتْهُ فِيهِ , وَلِهَذَا قَالَ : " فَخَانَتَاهُمَا " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( مَا بَغَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ ) , وَأَنَّهُ كَانَ اِبْنه لِصُلْبِهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ الضَّحَّاك وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمَيْمُون بْن مِهْرَان وَغَيْرهمْ , وَأَنَّهُ كَانَ اِبْنه لِصُلْبِهِ . وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر يَقُول نُوح : " إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي " أَكَانَ مِنْ أَهْله ؟ أَكَانَ اِبْنه ؟ فَسَبَّحَ اللَّه طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ : ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ! يُحَدِّث اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اِبْنه , وَتَقُول إِنَّهُ لَيْسَ اِبْنه ! نَعَمْ كَانَ اِبْنه ; وَلَكِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالدِّين , وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك " ) ; وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى لِجَلَالَةِ مَنْ قَالَ بِهِ , وَإِنَّ قَوْله : " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك " لَيْسَ مِمَّا يَنْفِي عَنْهُ أَنَّهُ اِبْنه . وَقَوْله : " فَخَانَتَاهُمَا " [ التَّحْرِيم : 10 ] يَعْنِي فِي الدِّين لَا فِي الْفِرَاش , وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ تُخْبِر النَّاس أَنَّهُ مَجْنُون , وَذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : أَمَا يَنْصُرك رَبّك ؟ فَقَالَ لَهَا : نَعَمْ . قَالَتْ : فَمَتَى ؟ قَالَ : إِذَا فَارَ التَّنُّور ; فَخَرَجَتْ تَقُول لِقَوْمِهَا : يَا قَوْم وَاَللَّه إِنَّهُ لَمَجْنُون , يَزْعُم أَنَّهُ لَا يَنْصُرهُ رَبّه إِلَّا أَنْ يَفُور هَذَا التَّنُّور , فَهَذِهِ خِيَانَتهَا . وَخِيَانَة الْأُخْرَى أَنَّهَا كَانَتْ تَدُلّ عَلَى الْأَضْيَاف عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : الْوَلَد قَدْ يُسَمَّى عَمَلًا كَمَا يُسَمَّى كَسْبًا , كَمَا فِي الْخَبَر ( أَوْلَادكُمْ مِنْ كَسْبكُمْ ) . ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ .

فِي هَذِهِ الْآيَة تَسْلِيَة لِلْخَلْقِ فِي فَسَاد أَبْنَائِهِمْ وَإِنْ كَانُوا صَالِحِينَ . وَرُوِيَ أَنَّ اِبْن مَالِك بْن أَنَس نَزَلَ مِنْ فَوْق وَمَعَهُ حَمَام قَدْ غَطَّاهُ , قَالَ : فَعَلِمَ مَالِك أَنَّهُ قَدْ فَهِمَهُ النَّاس ; فَقَالَ مَالِك : الْأَدَب أَدَب اللَّه لَا أَدَب الْآبَاء وَالْأُمَّهَات , وَالْخَيْر خَيْر اللَّه لَا خَيْر الْآبَاء وَالْأُمَّهَات . وَفِيهَا أَيْضًا دَلِيل عَلَى أَنَّ الِابْن مِنْ الْأَهْل لُغَة وَشَرْعًا , وَمِنْ أَهْل الْبَيْت ; فَمَنْ وَصَّى لِأَهْلِهِ دَخَلَ فِي ذَلِكَ اِبْنه , وَمَنْ تَضَمَّنَهُ مَنْزِله , وَهُوَ فِي عِيَاله . وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى : " وَلَقَدْ نَادَانَا نُوح فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْله مِنْ الْكَرْب الْعَظِيم " [ الصَّافَّات : 75 ] فَسَمَّى جَمِيع مَنْ ضَمَّهُ مَنْزِله مِنْ أَهْله .

وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى قَوْل الْحَسَن وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : أَنَّ الْوَلَد لِلْفِرَاشِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ نُوح مَا قَالَ آخِذًا بِظَاهِرِ الْفِرَاش . وَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : نَرَى رَسُول اللَّه صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَجْل اِبْن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام ; ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب " التَّمْهِيد " . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر ) يُرِيد الْخَيْبَة . وَقِيلَ : الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ . وَقَرَأَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر . " وَنَادَى نُوح اِبْنهَا " يُرِيد اِبْن اِمْرَأَته , وَهِيَ تَفْسِير الْقِرَاءَة الْمُتَقَدِّمَة عَنْهُ , وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَهِيَ حُجَّة لِلْحَسَنِ وَمُجَاهِد ; إِلَّا أَنَّهَا قِرَاءَة شَاذَّة , فَلَا نَتْرُك الْمُتَّفَق عَلَيْهَا لَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .



أَيْ أَنْهَاك عَنْ هَذَا السُّؤَال , وَأُحَذِّرك لِئَلَّا تَكُون , أَوْ كَرَاهِيَة أَنْ تَكُون مِنْ الْجَاهِلِينَ ; أَيْ الْآثِمِينَ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " يَعِظكُمْ اللَّه أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا " [ النُّور : 17 ] أَيْ يُحَذِّركُمْ اللَّه وَيَنْهَاكُمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَرْفَعك أَنْ تَكُون مِنْ الْجَاهِلِينَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ زِيَادَة مِنْ اللَّه وَمَوْعِظَة يَرْفَع بِهَا نُوحًا عَنْ مَقَام الْجَاهِلِينَ , وَيُعْلِيه بِهَا إِلَى مَقَام الْعُلَمَاء وَالْعَارِفِينَ ;
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القطوف الجِياد من حِكَم وأحكام الجهاد

    القطوف الجِياد من حِكَم وأحكام الجهاد: رسالةٌ تناولت موضوع الجهاد من جوانب عدَّة في ضوء الكتاب والسنة وكلام أهل العلم من السلف الصالح ومن سار على نهجهم من أئمة الملَّة وعلماء الأمة; وقد اجتهدت المؤلف; حفظه الله - ألا يذكر من الأحاديث إلا ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتعويل على أئمة هذا الشأن.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316766

    التحميل:

  • معجم افتراءات الغرب على الإسلام

    تعرض الإسلام ورسوله الكريم منذ زمن طويل لهجوم عنيف من قبل خصومه وأعدائه، وهؤلاء الأعداء منهم الظاهر المجاهر في عدائه، ومنهم المستتر غير المجاهر الذي يدس السم في العسل. وقد وجدنا بعض الأقلام الحاقدة، من ذوي الأفكار المشوهه، قد اهتمت بإثارة الشبهات وتدوين التشكيكات، ضمن حالة من الاستنفار العام للهجوم على الاسلام وأهله. وفي هذه الدراسة سوف نقوم بعرض شبهات علماء ومفكري الغرب وافتراءاتهم على الإسلام في محاولة النيل منه، ومحاولة الرد عليها بعلمية وموضوعية.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372701

    التحميل:

  • الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم

    الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم : فمن واجبات الدين المتحتمات محبة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وطاعة أمره، بل لا يكمل إيمان المرء حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. كما أوجب علينا أيضاً أحكاماً أخرى في عقوبة من سبه أو أهانه أو استهزأ به، أو خالف أمره، أو ابتدع طريقة غير طريقته؛ حماية لجنابه الكريم، وتقديساً لذاته الشريفة، وتنزيهاً لعرضه النقي، وصيانة لجاهه العلي، وحياطة للشريعة التي جاء بها. وهذه الأحكام جميعها بينها العلماء في بحوث مستفيضة في مصنفاتهم الفقهية في أبواب الردة، وفي كتب العقائد، وفي مصنفات مستقلة. وكان من أعظم هذه التصانيف كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، وقد رتبه على أربعة مسائل هي: المسألة الأولى: في أن السابَّ يُقتل، سواء كان مسلماً أو كافراً. المسألة الثانية: في أنه يتعيّن قتله وإن كان ذمياً، فلا يجوز المَنُّ عليه ولا مفاداته. المسألة الثالثة: في حكم الساب إذا تاب. المسألة الرابعة: في بيان السب، وما ليس بسبّ، والفرق بينه وبين الكفر. وفي هذه الصفحة اختصار لهذا الكتاب؛ حتى يسهل على عموم المسلمين الاستفادة منه. - نسخة مصورة من إصدار دار رمادي للنشر، وتوزيع دار المؤمن. - الكتاب بتحقيق محمد بن عبد الله بن عمر الحلواني، ومحمد كبير أحمد شودري. - قدم له: فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، وفضيلة الشيخ محمد بن سعيد القحطاني.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273057

    التحميل:

  • قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية والآداب الإسلامية

    كتاب مختصر يحتوي على قطوف من الشمائل المحمدية، حيث بين المصنف بعض أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآدابه، وتواضعه، وحلمه، وشجاعته، وكرمه ... إلخ من الأمور التي ينبغي أن يحرص كل مسلم أن يعرفها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد حرصنا على توفير نسخة مصورة من الكتاب؛ حتى يسهل طباعتها ونشرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57659

    التحميل:

  • مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها

    مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها: هذه الرسالة كشف فيها المؤلف - حفظه الله - عن جهود علماء القيروان - رحمهم الله تعالى - في الذَّود عن مذهب مالك ونشره ليس في الفقه فحسب؛ بل في العقيدة أيضًا، وأنهم بذلوا جهدهم - بل وحياتهم - لذلك، ثم تبيَّن لي أن استيفاء هذا الموضوع طويل، وأنه يحتاج إلى جهد كبير وعلم واسع لا أملكه، فاقتصر منه على بعضه، وأخذ من مسائل الاعتقاد: مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها، ودورهم في الذب عن عقيدة مالك في ذلك.

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364181

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة