Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 44

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) (هود) mp3
هَذَا مَجَاز لِأَنَّهَا مَوَات . وَقِيلَ : جُعِلَ فِيهَا مَا تُمَيِّز بِهِ . وَاَلَّذِي قَالَ إِنَّهُ مَجَاز قَالَ : لَوْ فُتِّشَ كَلَام الْعَرَب وَالْعَجَم مَا وُجِدَ فِيهِ مِثْل هَذِهِ الْآيَة عَلَى حُسْن نَظْمهَا , وَبَلَاغَة رَصْفهَا , وَاشْتِمَال الْمَعَانِي فِيهَا . وَفِي الْأَثَر : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يُخْلِي الْأَرْض مِنْ مَطَر عَام أَوْ عَامَيْنِ , وَأَنَّهُ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء قَطُّ إِلَّا بِحِفْظِ مَلَك مُوَكَّل بِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَاء الطُّوفَان ; فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَا يَحْفَظهُ الْمَلَك . وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة " [ الْحَاقَّة : 11 ] فَجَرَتْ بِهِمْ السَّفِينَة إِلَى أَنْ تَنَاهَى الْأَمْر ; فَأَمَرَ اللَّه الْمَاء الْمُنْهَمِر مِنْ السَّمَاء بِالْإِمْسَاكِ , وَأَمَرَ اللَّه الْأَرْض بِالِابْتِلَاعِ . وَيُقَال : بَلَعَ الْمَاء يَبْلَعهُ مِثْل مَنَعَ يَمْنَع وَبَلِعَ يَبْلَع مِثْل حَمِدَ وَيَحْمَد ; لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء . وَالْبَالُوعَة الْمَوْضِع الَّذِي يَشْرَب الْمَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِلْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ , مَا كَانَ فِي الْأَرْض وَمَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاء ; فَأَمَرَ اللَّه مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاء بِالْإِقْلَاعِ , فَلَمْ تَمْتَصّ الْأَرْض مِنْهُ قَطْرَة , وَأَمَرَ الْأَرْض بِابْتِلَاعِ مَا خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ . وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَقِيلَ يَا أَرْض اِبْلَعِي مَاءَك وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء " وَقِيلَ : مَيَّزَ اللَّه بَيْن الْمَاءَيْنِ , فَمَا كَانَ مِنْ مَاء الْأَرْض أَمَرَهَا فَبَلَعَتْهُ , وَصَارَ مَاء السَّمَاء بِحَارًا .


أَيْ نَقَصَ ; يُقَال : غَاضَ الشَّيْء وَغِضْته أَنَا ; كَمَا يُقَال : نَقَصَ بِنَفْسِهِ وَنَقَصَهُ غَيْره , وَيَجُوز " غُيِضَ " بِضَمِّ الْغَيْن .


أَيْ أُحْكِمَ وَفُرِغَ مِنْهُ ; يَعْنِي أُهْلِكَ قَوْم نُوح عَلَى تَمَام وَإِحْكَام . وَيُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْقَمَ أَرْحَامهمْ أَيْ أَرْحَام نِسَائِهِمْ قَبْل الْغَرَق بِأَرْبَعِينَ سَنَة , فَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ هَلَكَ صَغِير . وَالصَّحِيح أَنَّهُ أَهْلَكَ الْوِلْدَان بِالطُّوفَانِ , كَمَا هَلَكَتْ الطَّيْر وَالسِّبَاع . وَلَمْ يَكُنْ الْغَرَق عُقُوبَة لِلصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِم وَالطَّيْر , بَلْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ . وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ الْمَاء فِي السِّكَك خَشِيَتْ أُمّ صَبِيّ عَلَيْهِ ; وَكَانَتْ تُحِبّهُ حُبًّا شَدِيدًا , فَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْجَبَل , حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثه , فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاء خَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ , فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاء اِسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَل ; فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاء رَقَبَتهَا رَفَعَتْ يَدَيْهَا بِابْنِهَا حَتَّى ذَهَبَ بِهَا الْمَاء ; فَلَوْ رَحِمَ اللَّه مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمّ الصَّبِيّ .



أَيْ هَلَاكًا لَهُمْ . الْجُودِيّ جَبَل بِقُرْبِ الْمَوْصِل ; اِسْتَوَتْ عَلَيْهِ فِي الْعَاشِر مِنْ الْمُحَرَّم يَوْم عَاشُورَاء ; فَصَامَهُ نُوح وَأَمَرَ جَمِيع مَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاس وَالْوَحْش وَالطَّيْر وَالدَّوَابّ وَغَيْرهَا فَصَامُوهُ , شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ يَوْم الْجُمْعَة . وَرُوِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْجِبَال أَنَّ السَّفِينَة تُرْسَى عَلَى وَاحِد مِنْهَا فَتَطَاوَلَتْ , وَبَقِيَ الْجُودِيّ لَمْ يَتَطَاوَل تَوَاضُعًا لِلَّهِ , فَاسْتَوَتْ السَّفِينَة عَلَيْهِ : وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ أَعْوَادهَا . وَفِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْء أَدْرَكَهُ أَوَائِل هَذِهِ الْأُمَّة ) . وَقَالَ مُجَاهِد : تَشَامَخَتْ الْجِبَال وَتَطَاوَلَتْ لِئَلَّا يَنَالهَا الْغَرَق ; فَعَلَا الْمَاء فَوْقهَا خَمْسَة عَشَرَ ذِرَاعًا , وَتَطَامَنَ الْجُودِيّ , وَتَوَاضَعَ لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى فَلَمْ يَغْرَق , وَرَسَتْ السَّفِينَة عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْجُودِيّ اِسْم لِكُلِّ جَبَل , وَمِنْهُ قَوْل زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل . سُبْحَانه ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُود لَهُ وَقَبْلنَا سَبَّحَ الْجُودِيّ وَالْجَمَد وَيُقَال : إِنَّ الْجُودِيّ مِنْ جِبَال الْجَنَّة ; فَلِهَذَا اِسْتَوَتْ عَلَيْهِ . وَيُقَال : أَكْرَمَ اللَّه ثَلَاثَة جِبَال بِثَلَاثَةِ نَفَر : الْجُودِيّ بِنُوحٍ , وَطُور سَيْنَاء بِمُوسَى , وَحِرَاء بِمُحَمَّدٍ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .

[ مَسْأَلَة ] : لَمَّا تَوَاضَعَ الْجُودِيّ وَخَضَعَ عَزَّ , وَلَمَّا اِرْتَفَعَ غَيْره وَاسْتَعْلَى ذَلَّ , وَهَذِهِ سُنَّة اللَّه فِي خَلْقه , يَرْفَع مَنْ تَخَشَّعَ , وَيَضَع مَنْ تَرَفَّعَ ; وَلَقَدْ أَحْسَن الْقَائِل : وَإِذَا تَذَلَّلَتْ الرِّقَاب تَخَشُّعًا مِنَّا إِلَيْك فَعِزّهَا فِي ذُلّهَا وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : كَانَتْ نَاقَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَمَّى الْعَضْبَاء ; وَكَانَتْ لَا تُسْبَق ; فَجَاءَ أَعْرَابِيّ عَلَى قَعُود لَهُ فَسَبَقَهَا , فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ; وَقَالُوا : سُبِقَتْ الْعَضْبَاء ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّه أَلَّا يَرْفَع شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ ) . وَخَرَّجَ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال وَمَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِي أَحَد عَلَى أَحَد وَلَا يَفْخَر أَحَد عَلَى أَحَد ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ .

[ مَسْأَلَة ] : نَذْكُر فِيهَا مِنْ قِصَّة نُوح مَعَ قَوْمه وَبَعْض ذِكْر السَّفِينَة ذَكَرَ الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي التَّارِيخ لَهُ عَنْ الْحَسَن : أَنَّ نُوحًا أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمه فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا " [ الْعَنْكَبُوت : 14 ] وَكَانَ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ الْمَعَاصِي , وَكَثُرَتْ الْجَبَابِرَة وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا , وَكَانَ نُوح يَدْعُوهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا , سِرًّا وَعَلَانِيَة , وَكَانَ صَبُورًا حَلِيمًا , وَلَمْ يَلْقَ أَحَد مِنْ الْأَنْبِيَاء أَشَدّ مِمَّا لَقِيَ نُوح , فَكَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُتْرَك وَقِيذًا , وَيَضْرِبُونَهُ فِي الْمَجَالِس وَيُطْرَد , وَكَانَ لَا يَدْعُو عَلَى مَنْ يَصْنَع بِهِ بَلْ يَدْعُوهُمْ وَيَقُول : " رَبّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " فَكَانَ لَا يَزِيدهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ , حَتَّى أَنَّهُ لِيُكَلِّم الرَّجُل مِنْهُمْ فَيَلُفّ رَأْسه بِثَوْبِهِ , وَيَجْعَل أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لِكَيْلَا يَسْمَع شَيْئًا مِنْ كَلَامه , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتهمْ لِتَغْفِر لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابهمْ " [ نُوح : 7 ] . وَقَالَ مُجَاهِد وَعُبَيْد بْن عُمَيْر : كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ : " رَبّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( إِنَّ نُوحًا كَانَ يُضْرَب ثُمَّ يُلَفّ فِي لِبَد فَيُلْقَى فِي بَيْته يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ , ثُمَّ يَخْرُج فَيَدْعُوهُمْ ; حَتَّى إِذَا يَئِسَ مِنْ إِيمَان قَوْمه جَاءَهُ رَجُل وَمَعَهُ اِبْنه وَهُوَ يَتَوَكَّأ عَلَى عَصًا ; فَقَالَ : يَا بُنَيّ اُنْظُرْ هَذَا الشَّيْخ لَا يَغُرَّنك , قَالَ : يَا أَبَتِ أَمْكِنِّي مِنْ الْعَصَا , فَأَمْكَنَهُ فَأَخَذَ الْعَصَا ثُمَّ قَالَ : ضَعْنِي فِي الْأَرْض فَوَضَعَهُ , فَمَشَى إِلَيْهِ بِالْعَصَا فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ شَجَّة مُوضِحَة فِي رَأْسه , وَسَالَتْ الدِّمَاء ; فَقَالَ نُوح : " رَبّ قَدْ تَرَى مَا يَفْعَل بِي عِبَادك فَإِنْ يَكُ لَك فِي عِبَادك خَيْرِيَّة فَاهْدِهِمْ وَإِنْ يَكُ غَيْر ذَلِكَ فَصَبِّرْنِي إِلَى أَنْ تَحْكُم وَأَنْتَ خَيْر الْحَاكِمِينَ " فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ وَآيَسَهُ مِنْ إِيمَان قَوْمه , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي أَصْلَاب الرِّجَال وَلَا فِي أَرْحَام النِّسَاء مُؤْمِن ) ;

قَالَ : " وَأُوحِيَ إِلَى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِن مِنْ قَوْمك إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " ; أَيْ لَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ . " وَاصْنَعْ الْفُلْك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْينَا " قَالَ : يَا رَبّ وَأَيْنَ الْخَشَب ؟ قَالَ : اِغْرِسْ الشَّجَر . قَالَ : فَغَرَسَ السَّاج عِشْرِينَ سَنَة , وَكَفَّ عَنْ الدُّعَاء , وَكَفُّوا عَنْ الِاسْتِهْزَاء . وَكَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُ ; فَلَمَّا أَدْرَكَ الشَّجَر أَمَرَهُ رَبّه فَقَطَعَهَا وَجَفَّفَهَا : فَقَالَ : يَا رَبّ كَيْف أَتَّخِذ هَذَا الْبَيْت ؟ قَالَ : اِجْعَلْهُ عَلَى ثَلَاثَة صُوَر ; رَأْسه كَرَأْسِ الدِّيك , وَجُؤْجُؤُهُ كَجُؤْجُؤِ الطَّيْر , وَذَنَبه كَذَنَبِ الدِّيك ; وَاجْعَلْهَا مُطْبَقَة وَاجْعَلْ لَهَا أَبْوَابًا فِي جَنْبهَا , وَشُدَّهَا بِدُسُرٍ , يَعْنِي مَسَامِير الْحَدِيد . وَبَعَثَ اللَّه جِبْرِيل فَعَلَّمَهُ صَنْعَة السَّفِينَة , وَجَعَلَتْ يَده لَا تُخْطِئ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( كَانَتْ دَار نُوح عَلَيْهِ السَّلَام دِمَشْق , وَأَنْشَأَ سَفِينَته مِنْ خَشَب لُبْنَان بَيْن زَمْزَم وَبَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام ) , فَلَمَّا كَمُلَتْ حَمَلَ فِيهَا السِّبَاع وَالدَّوَابّ فِي الْبَاب الْأَوَّل , وَجَعَلَ الْوَحْش وَالطَّيْر فِي الْبَاب الثَّانِي , وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمَا وَجَعَلَ أَوْلَاد آدَم أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَأَرْبَعِينَ اِمْرَأَة فِي الْبَاب الْأَعْلَى وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمْ , وَجَعَلَ الذَّرّ مَعَهُ فِي الْبَاب الْأَعْلَى لِضَعْفِهَا أَلَّا تَطَأهَا الدَّوَابّ . قَالَ الزُّهْرِيّ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ رِيحًا فَحُمِلَ إِلَيْهِ مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ ; مِنْ السِّبَاع وَالطَّيْر وَالْوَحْش وَالْبَهَائِم . وَقَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد : بَعَثَ اللَّه جِبْرِيل فَحَشَرَهُمْ , فَجَعَلَ يَضْرِب بِيَدَيْهِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فَتَقَع يَده الْيُمْنَى عَلَى الذَّكَر وَالْيُسْرَى عَلَى الْأُنْثَى , فَيُدْخِلهُ السَّفِينَة وَقَالَ زَيْد بْن ثَابِت : اُسْتُصْعِبَتْ عَلَى نُوح الْمَاعِزَة أَنْ تَدْخُل السَّفِينَة , فَدَفَعَهَا بِيَدِهِ فِي ذَنَبهَا ; فَمِنْ ثَمَّ اِنْكَسَرَ ذَنَبهَا فَصَارَ مَعْقُوفًا وَبَدَا حَيَاؤُهَا . وَمَضَتْ النَّعْجَة حَتَّى دَخَلَتْ فَمَسَحَ عَلَى ذَنَبهَا فَسُتِرَ حَيَاؤُهَا ; قَالَ إِسْحَاق : أَخْبَرَنَا رَجُل مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ نُوحًا حَمَلَ أَهْل السَّفِينَة , وَجَعَلَ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ , وَحَمَلَ مِنْ الْهُدْهُد زَوْجَيْنِ , فَمَاتَتْ الْهُدْهُدَة فِي السَّفِينَة قَبْل أَنْ تَظْهَر الْأَرْض . فَحَمَلَهَا الْهُدْهُد فَطَافَ بِهَا الدُّنْيَا لِيُصِيبَ لَهَا مَكَانًا , فَلَمْ يَجِد طِينًا وَلَا تُرَابًا , فَرَحِمَهُ رَبّه فَحَفَرَ لَهَا فِي قَفَاهُ قَبْرًا فَدَفَنَهَا فِيهِ , فَذَلِكَ الرِّيش النَّاتِئ فِي قَفَا الْهُدْهُد مَوْضِع الْقَبْر ; فَلِذَلِكَ نَتَأَتْ أَقْفِيَة الْهَدَاهِد . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ حَمْل نُوح مَعَهُ فِي السَّفِينَة مِنْ جَمِيع الشَّجَر وَكَانَتْ الْعَجْوَة مِنْ الْجَنَّة مَعَ نُوح فِي السَّفِينَة ) . وَذَكَرَ صَاحِب كِتَاب ( الْعَرُوس ) وَغَيْره : أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَث مَنْ يَأْتِيه بِخَبَرِ الْأَرْض قَالَ الدَّجَاج : أَنَا ; فَأَخَذَهَا وَخَتَمَ عَلَى جَنَاحهَا وَقَالَ لَهَا : أَنْتِ مَخْتُومَة بِخَاتَمِي لَا تَطِيرِي أَبَدًا , أَنْتِ يَنْتَفِع بِك أُمَّتِي ; فَبَعَثَ الْغُرَاب فَأَصَابَ جِيفَة فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَاحْتَبَسَ فَلَعَنَهُ , وَلِذَلِكَ يُقْتَل فِي الْحِلّ وَالْحَرَم وَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ ; فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَف الْبُيُوت . وَبَعَثَ الْحَمَامَة فَلَمْ تَجِد قَرَارًا فَوَقَعَتْ عَلَى شَجَرَة بِأَرْضِ سَيْنَاء فَحَمَلَتْ وَرَقَة زَيْتُونَة , وَرَجَعَتْ إِلَى نُوح فَعَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَسْتَمْكِن مِنْ الْأَرْض , ثُمَّ بَعَثَهَا بَعْد ذَلِكَ فَطَارَتْ حَتَّى وَقَعَتْ بِوَادِي الْحَرَم , فَإِذَا الْمَاء قَدْ نَضَبَ مِنْ مَوَاضِع الْكَعْبَة , وَكَانَتْ طِينَتهَا حَمْرَاء , فَاخْتَضَبَتْ رِجْلَاهَا , ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى نُوح عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَتْ : بُشْرَايَ مِنْك أَنْ تَهَب لِي الطَّوْق فِي عُنُقِي , وَالْخِضَاب فِي رِجْلِي , وَأَسْكُن الْحَرَم ; فَمَسَحَ يَده عَلَى عُنُقهَا وَطَوْقهَا , وَوَهَبَ لَهَا الْحُمْرَة فِي رِجْلَيْهَا , وَدَعَا لَهَا وَلِذُرِّيَّتِهَا بِالْبَرَكَةِ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ أَنَّهُ بَعَثَ بَعْد الْغُرَاب التُّدْرُج وَكَانَ مِنْ جِنْس الدَّجَاج ; وَقَالَ : إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَذِر , فَأَصَابَ الْخُضْرَة وَالْفُرْجَة فَلَمْ يَرْجِع , وَأَخَذَ أَوْلَاده عِنْده رَهْنًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كتاب الصفدية

    كتاب الصفدية : هذا الكتاب يجيب عن التساؤل هل معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى نفسانية؟

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272837

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الإخلاص ]

    الإخلاص هو أهم أعمال القلوب وأعلاها وأساسها; لأنه حقيقة الدين; ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام; وسبيل النجاة من شرور الدنيا والآخرة; وهو لبٌّ العبادة وروحَها; وأساس قبول الأعمال وردها. لذلك كله كان الأجدر بهذه السلسلة أن تبدأ بالحديث عن الإخلاص.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340013

    التحميل:

  • الحج .. آداب وأسرار ومشاهد

    الحج .. آداب وأسرار ومشاهد : يحتوي هذا الكتاب على بيان بعض آداب الحج، ومنافعه ودروسه، وبيان بعض مشاهد الحج مثل مشهد التقوى، والمراقبة، والصبر، والشكر ... إلخ

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172674

    التحميل:

  • هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟

    هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ : يقول الله تعالى في كتابه الكريم { وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد }. الصف:6 والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هو النبي الوحيد الذي أرسل بعد عيسى - عليه السلام -، ولا يعترف النصارى بأن هناك نبي أتى من بعد عيسى - عليه السلام -؛ ونحن الآن بصدد إثبات أن عيسى المسيح وموسى - عليهما السلام - قد بشرا برسول سوف يأتي من بعدهما، وسيكون ذلك أيضا من بين نصوص الكتاب المقدس كما بينه هذا الكتاب المبارك الذي يصلح أن يكون هدية لكل نصراني ويهودي...

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228827

    التحميل:

  • رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه

    رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه : رسالة (أرسلها) ابن القيم إلى أحد إخوانه: يحثه فيها على تعليم الخير وبذل النصيحة، ويحذر من الغفلة، ويتحدث عن الهداية، ويشرح السبل التي تنال بها الإمامة في الدين. ويذكر بعض معاني البصيرة التي ينبغي أن يكون عليها الداعي إلى الله، ويؤكد أن اللذة لا تتم إلا بأمور، وهي معرفة الله وتوحيده والأنس به والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهم عليه، ويدلل على ذلك بكون الصلاة جعلت قرة عين النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. ويختم رسالته بأن ملاك هذا الشأن أربعة أمور: نية صحيحة وقوة عالية، ورغبة، ورهبة.

    المدقق/المراجع: عبد الله بن محمد المديفر

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265607

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة