Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 41

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) (هود) mp3
أَمْر بِالرُّكُوبِ ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ نُوح لِقَوْمِهِ . وَالرُّكُوب الْعُلُوّ عَلَى ظَهْر الشَّيْء . وَيُقَال : رَكِبَهُ الدَّيْن . وَفِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ اِرْكَبُوا الْمَاء فِي السَّفِينَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى اِرْكَبُوهَا . و " فِي " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ " [ يُوسُف : 43 ] وَفَائِدَة " فِي " أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا فِي جَوْفهَا لَا عَلَى ظَهْرهَا . قَالَ عِكْرِمَة : رَكِبَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْفُلْك لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَب , وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرَّم ; فَذَلِكَ سِتَّة أَشْهُر ; وَقَالَهُ قَتَادَة وَزَادَ وَهُوَ يَوْم عَاشُورَاء ; فَقَالَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ : مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمه , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَلْيَصُمْهُ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّ نُوحًا رَكِبَ فِي السَّفِينَة أَوَّل يَوْم مِنْ رَجَب , وَصَامَ الشَّهْر أَجْمَع , وَجَرَتْ بِهِمْ السَّفِينَة إِلَى يَوْم عَاشُورَاء , فَفِيهِ أَرْسَتْ عَلَى الْجُودِيّ , فَصَامَهُ نُوح وَمَنْ مَعَهُ ) . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى الْمَاء نَحْو السَّنَة , وَمَرَّتْ بِالْبَيْتِ فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا , وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّه عَنْ الْغَرَق فَلَمْ يَنَلْهُ غَرَق , ثُمَّ مَضَتْ إِلَى الْيَمَن وَرَجَعَتْ إِلَى الْجُودِيّ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ .



قِرَاءَة أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَهْل الْبَصْرَة بِضَمِّ الْمِيم فِيهِمَا إِلَّا مَنْ شَذَّ , عَلَى مَعْنَى بِسْمِ اللَّه إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا ; فَمَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , وَيَكُون التَّقْدِير : بِسْمِ اللَّه وَقْت إِجْرَائِهَا ثُمَّ حَذَفَ وَقْت , وَأُقِيمَ " مَجْرَاهَا " مَقَامه . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " بِسْمِ اللَّه مَجْرِيهَا " بِفَتْحِ الْمِيم و " مُرْسَاهَا " بِضَمِّ الْمِيم . وَرَوَى يَحْيَى بْن عِيسَى عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب " بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا " بِفَتْحِ الْمِيم فِيهِمَا ; عَلَى الْمَصْدَر مِنْ جَرَتْ تَجْرِي جَرْيًا وَمَجْرًى , وَرَسَتْ رُسُوًّا وَمَرْسًى إِذَا ثَبَتَتْ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَسُلَيْمَان بْن جُنْدُب وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَأَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ : " بِسْمِ اللَّه مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا " نَعْت لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِع جَرّ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ ; أَيْ هُوَ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا . وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الْحَال . وَقَالَ الضَّحَّاك . كَانَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا جَرَتْ , وَإِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّه مُرْسَاهَا رَسَتْ . وَرَوَى مَرْوَان بْن سَالِم عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه بْن كُرَيْز عَنْ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَمَان لِأُمَّتِي مِنْ الْغَرَق إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " [ الزُّمَر : 67 ] " بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم " . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل , عَلَى ذِكْر الْبَسْمَلَة عِنْد اِبْتِدَاء كُلّ فِعْل ; كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَسْمَلَة ; وَالْحَمْد لِلَّهِ .


أَيْ لِأَهْلِ السَّفِينَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( لَمَّا كَثُرَتْ الْأَرْوَاث وَالْأَقْذَار أَوْحَى اللَّه إِلَى نُوح اِغْمِزْ ذَنَب الْفِيل , فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِير وَخِنْزِيرَة فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْث ; فَقَالَ نُوح : لَوْ غَمَزْت ذَنَب هَذَا الْخِنْزِير ! فَفَعَلَ , فَخَرَجَ مِنْهُ فَأَرَ وَفَأْرَة فَلَمَّا وَقَعَا أَقْبَلَا عَلَى السَّفِينَة وَحِبَالهَا تَقْرِضهَا , وَتَقْرِض الْأَمْتِعَة وَالْأَزْوَاد حَتَّى خَافُوا عَلَى حِبَال السَّفِينَة ; فَأَوْحَى اللَّه إِلَى نُوح أَنْ اِمْسَحْ جَبْهَة الْأَسَد فَمَسَحَهَا , فَخَرَجَ مِنْهَا سِنَّوْرَانِ فَأَكَلَا الْفَأْرَة . وَلَمَّا حَمَلَ الْأَسَد فِي السَّفِينَة قَالَ : يَا رَبّ مِنْ أَيْنَ أُطْعِمهُ ؟ قَالَ : سَوْفَ أُشْغِلهُ ; فَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى ; فَهُوَ الدَّهْر مَحْمُوم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( وَأَوَّل مَا حَمَلَ نُوح مِنْ الْبَهَائِم فِي الْفُلْك حَمَلَ الْإِوَزَّة , وَآخِر مَا حَمَلَ حَمَلَ الْحِمَار ) ; قَالَ : وَتَعَلَّقَ إِبْلِيس بِذَنَبِهِ , وَيَدَاهُ قَدْ دَخَلَتَا فِي السَّفِينَة , وَرِجْلَاهُ خَارِجَة بَعْد فَجَعَلَ الْحِمَار يَضْطَرِب وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَدْخُل , فَصَاحَ بِهِ نُوح : اُدْخُلْ وَيْلك فَجَعَلَ يَضْطَرِب ; فَقَالَ : اُدْخُلْ وَيْلك ! وَإِنْ كَانَ مَعَك الشَّيْطَان , كَلِمَة زَلَّتْ عَلَى لِسَانه , فَدَخَلَ وَوَثَبَ الشَّيْطَان فَدَخَلَ . ثُمَّ إِنَّ نُوحًا رَآهُ يُغَنِّي فِي السَّفِينَة , فَقَالَ لَهُ : يَا لَعِين مَا أَدْخَلَك بَيْتِي ؟ ! قَالَ : أَنْتَ أَذِنْت لِي ; فَذَكَرَ لَهُ ; فَقَالَ لَهُ : قُمْ فَاخْرُجْ . قَالَ : مَا لَك بُدّ فِي أَنْ تَحْمِلنِي مَعَك , فَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ فِي ظَهْر الْفُلْك . وَكَانَ مَعَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام خَرَزَتَانِ مُضِيئَتَانِ , وَاحِدَة مَكَان الشَّمْس , وَالْأُخْرَى مَكَان الْقَمَر . اِبْن عَبَّاس : ( إِحْدَاهُمَا بَيْضَاء كَبَيَاضِ النَّهَار , وَالْأُخْرَى سَوْدَاء كَسَوَادِ اللَّيْل ) ; فَكَانَ يَعْرِف بِهِمَا مَوَاقِيت الصَّلَاة ; فَإِذَا أَمْسَوْا غَلَبَ سَوَاد هَذِهِ بَيَاض هَذِهِ , وَإِذَا أَصْبَحُوا غَلَبَ بَيَاض هَذِهِ سَوَاد هَذِهِ ; عَلَى قَدْر السَّاعَات .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من الإعجاز الطبي في السنة المطهرة تداعي الجسد للإصابة والمرضِ

    من الإعجاز الطبي في السنة المطهرة تداعي الجسد للإصابة والمرضِ : بحث كتبه د. ماهر محمد سالم.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193684

    التحميل:

  • حقيقة الانتصار

    حقيقة الانتصار: قال الشيخ في المقدمة: «فقد تأملت في واقع الدعوة اليوم، وما مرت به في خلال هذا العصر من محن وابتلاءات، ورأيت أن الأمة تعيش يقظة مباركة، وصحوة ناهضة، والدعاة يجوبون الآفاق، والجماعات الإسلامية انتشرت في البلدان، حتى وصلت إلى أوربا وأمريكا، وقامت حركات جهادية في بعض بلاد المسلمين كأفغانستان وفلسطين وأريتريا والفلبين وغيرها. ولكن لحظت أن هناك مفاهيم غائبة عن فهم كثير من المسلمين، مع أن القرآن الكريم قد بينها، بل وفصلها، ورأيت أن كثيرا من أسباب الخلل في واقع الدعوة والدعاة، يعود لغياب هذه الحقائق. ومن هذه المفاهيم مفهوم "حقيقة الانتصار"، حيث إن خفاءه أوقع في خلل كبير، ومن ذلك: الاستعجال، والتنازل، واليأس والقنوط ثم العزلة، وهذه أمور لها آثارها السلبية على المنهج وعلى الأمة. من أجل ذلك كله عزمتُ على بيان هذه الحقيقة الغائبة، ودراستها في ضوء القرآن الكريم».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337579

    التحميل:

  • مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة [ المفهوم والخصائص ]

    بيان مفهوم عقيدة أهل السنة والجماعة وخصائصها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172692

    التحميل:

  • فقه اللغة [ مفهومه - موضوعاته - قضاياه ]

    فقه اللغة : يحتوي هذا الكتاب على مدخل، وأربعة أبواب، وخاتمة، وذلك على النحو التالي: - مدخل: ويحتوي على قبس من التنزيل في التنويه بشأن العربية، وعلى بعض أقوال السلف، والعلماء والشعراء في تعظيم شأن العربية. - الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة. - الباب الثاني: دراسات عامة لبعض موضوعات فقه اللغة. - الباب الثالث: دراسات في المعاجم العربية. - الباب الرابع: مشكلات تواجه العربية. وتحت كل باب من الأبواب السابقة عدد من الفصول، وتحت كل فصل عدد من المباحث. - الخاتمة: وتتضمن ملخصاً يجمع أطراف ما ورد في هذا الكتاب.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172587

    التحميل:

  • الإسلام أصوله ومبادئه

    الإسلام أصوله ومبادئه: قال المؤلف - أثابه الله -: «.. قد حاولت - قدر المستطاع - أن أعرض الإسلام في هذا الكتاب عرضًا موجزًا من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1916

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة