Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 40

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) (هود) mp3
اُخْتُلِفَ فِي التَّنُّور عَلَى أَقْوَال سَبْعَة :

الْأَوَّل : أَنَّهُ وَجْه الْأَرْض , وَالْعَرَب تُسَمِّي وَجْه الْأَرْض تَنُّورًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالزُّهْرِيّ وَابْن عُيَيْنَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِذَا رَأَيْت الْمَاء عَلَى وَجْه الْأَرْض فَارْكَبْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك .

الثَّانِي : أَنَّهُ تَنُّور الْخُبْز الَّذِي يُخْبَز فِيهِ ; وَكَانَ تَنُّورًا مِنْ حِجَارَة ; وَكَانَ لِحَوَّاء حَتَّى صَارَ لِنُوحٍ ; فَقِيلَ لَهُ : إِذَا رَأَيْت الْمَاء يَفُور مِنْ التَّنُّور فَارْكَبْ أَنْتَ وَأَصْحَابك . وَأَنْبَعَ اللَّه الْمَاء مِنْ التَّنُّور , فَعَلِمَتْ بِهِ اِمْرَأَته فَقَالَتْ : يَا نُوح فَارَ الْمَاء مِنْ التَّنُّور ; فَقَالَ : جَاءَ وَعْد رَبِّي حَقًّا . هَذَا قَوْل الْحَسَن ; وَقَالَهُ مُجَاهِد وَعَطِيَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس .

الثَّالِث : أَنَّهُ مَوْضِع اِجْتِمَاع الْمَاء فِي السَّفِينَة ; عَنْ الْحَسَن أَيْضًا .

الرَّابِع : أَنَّهُ طُلُوع الْفَجْر , وَنُور الصُّبْح ; مِنْ قَوْلهمْ : نَوَّرَ الْفَجْر تَنْوِيرًا ; قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .

الْخَامِس : أَنَّهُ مَسْجِد الْكُوفَة ; قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَيْضًا ; وَقَالَهُ مُجَاهِد . قَالَ مُجَاهِد : كَانَ نَاحِيَة التَّنُّور بِالْكُوفَةِ . وَقَالَ : اِتَّخَذَ نُوح السَّفِينَة فِي جَوْف مَسْجِد الْكُوفَة , وَكَانَ التَّنُّور عَلَى يَمِين الدَّاخِل مِمَّا يَلِي كِنْدَة . وَكَانَ فَوَرَان الْمَاء مِنْهُ عَلَمًا لِنُوحٍ , وَدَلِيلًا عَلَى هَلَاك قَوْمه . قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ أُمَيَّة : فَارَ تَنُّورهمْ وَجَاشَ بِمَاءٍ صَارَ فَوْق الْجِبَال حَتَّى عَلَاهَا

السَّادِس : أَنَّهُ أَعَالِي الْأَرْض , وَالْمَوَاضِع الْمُرْتَفِعَة مِنْهَا ; قَالَهُ قَتَادَة .

السَّابِع : أَنَّهُ الْعَيْن الَّتِي بِالْجَزِيرَةِ " عَيْن الْوَرْدَة " رَوَاهُ عِكْرِمَة . وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ ذَلِكَ تَنُّور آدَم , وَإِنَّمَا كَانَ بِالشَّامِ بِمَوْضِعٍ يُقَال لَهُ : " عَيْن وَرْدَة " وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : ( فَارَ تَنُّور آدَم بِالْهِنْدِ ) . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْأَقْوَال لَيْسَتْ بِمُتَنَاقِضَةٍ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَاء جَاءَ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض ; قَالَ : " فَفَتَحْنَا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاءٍ مُنْهَمِر . وَفَجَّرْنَا الْأَرْض عُيُونًا " [ الْقَمَر : 11 - 12 ] . فَهَذِهِ الْأَقْوَال تَجْتَمِع فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَامَة . وَالْفَوَرَان الْغَلَيَان . وَالتَّنُّور اِسْم أَعْجَمِيّ عَرَّبَته الْعَرَب , وَهُوَ عَلَى بِنَاء فَعَّلَ ; لِأَنَّ أَصْل بِنَائِهِ تَنَّرَ , وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب نُون قَبْل رَاء . وَقِيلَ : مَعْنَى " فَارَ التَّنُّور " التَّمْثِيل لِحُضُورِ الْعَذَاب ; كَقَوْلِهِمْ : حَمِيَ الْوَطِيس إِذَا اِشْتَدَّتْ الْحَرْب . وَالْوَطِيس التَّنُّور . وَيُقَال : فَارَتْ قِدْر الْقَوْم إِذَا اِشْتَدَّ حَرْبهمْ ; قَالَ شَاعِرهمْ : تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لَا شَيْء فِيهَا وَقِدْر الْقَوْم حَامِيَة تَفُور



يَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى ; لِبَقَاءِ أَصْل النَّسْل بَعْد الطُّوفَان . وَقَرَأَ حَفْص " مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ " بِتَنْوِينِ " كُلّ " أَيْ مِنْ كُلّ شَيْء زَوْجَيْنِ . وَالْقِرَاءَتَانِ تَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِد : شَيْء مَعَهُ آخَر لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَيُقَال لِلِاثْنَيْنِ : هُمَا زَوْجَانِ , فِي كُلّ اِثْنَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدهمَا عَنْ صَاحِبه ; فَإِنَّ الْعَرَب تُسَمِّي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا زَوْجًا يُقَال : لَهُ زَوْجَا نَعْل إِذَا كَانَ لَهُ نَعْلَانِ . وَكَذَلِكَ عِنْده زَوْجَا حَمَام , وَعَلَيْهِ زَوْجَا قُيُود ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَر وَالْأُنْثَى " . [ النَّجْم : 45 ] . وَيُقَال لِلْمَرْأَةِ هِيَ زَوْج الرَّجُل , وَلِلرَّجُلِ هُوَ زَوْجهَا . وَقَدْ يُقَال لِلِاثْنَيْنِ هُمَا زَوْج , وَقَدْ يَكُون الزَّوْجَانِ بِمَعْنَى الضَّرْبَيْنِ , وَالصِّنْفَيْنِ , وَكُلّ ضَرْب يُدْعَى زَوْجًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج " [ الْحَجّ : 5 ] أَيْ مِنْ كُلّ لَوْن وَصِنْف . وَقَالَ الْأَعْشَى : وَكُلّ زَوْج مِنْ الدِّيبَاج يَلْبَسهُ أَبُو قُدَامَة مَحْبُوّ بِذَاكَ مَعَا أَرَادَ كُلّ ضَرْب وَلَوْن . و " مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ " فِي مَوْضِع نَصْب ب " اِحْمِلْ " . " اِثْنَيْنِ " تَأْكِيد .



أَيْ وَاحْمِلْ أَهْلك .


" مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِالِاسْتِثْنَاءِ .



مِنْهُمْ أَيْ بِالْهَلَاكِ ; وَهُوَ اِبْنه كَنْعَان وَامْرَأَته وَاعِلَة كَانَا كَافِرَيْنِ .



قَالَ الضَّحَّاك وَابْن جُرَيْج : أَيْ اِحْمِلْ مَنْ آمَنَ بِي , أَيْ مَنْ صَدَّقَك ; ف " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب ب " اِحْمِلْ " .



قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( آمَنَ مِنْ قَوْمه ثَمَانُونَ إِنْسَانًا , مِنْهُمْ ثَلَاثَة مِنْ بَنِيهِ ; سَام وَحَام وَيَافِث , وَثَلَاث كَنَائِن لَهُ . وَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ السَّفِينَة بَنَوْا قَرْيَة وَهِيَ الْيَوْم تُدْعَى قَرْيَة الثَّمَانِينَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِل ) . وَوَرَدَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفِينَة ثَمَانِيَة أَنْفُس ; نُوح وَزَوْجَته غَيْر الَّتِي عُوقِبَتْ , وَبَنُوهُ الثَّلَاثَة وَزَوْجَاتهمْ ; وَهُوَ قَوْل قَتَادَة وَالْحَكَم بْن عُتَيْبَة وَابْن جُرَيْج وَمُحَمَّد بْن كَعْب ; فَأَصَابَ حَام اِمْرَأَته فِي السَّفِينَة , فَدَعَا نُوح اللَّه أَنْ يُغَيِّر نُطْفَته فَجَاءَ بِالسُّودَانِ . قَالَ عَطَاء : وَدَعَا نُوح عَلَى حَام أَلَّا يَعْدُو شَعْر أَوْلَاده آذَانهمْ , وَأَنَّهُمْ حَيْثُمَا كَانَ وَلَده يَكُونُونَ عَبِيدًا لِوَلَدِ سَام وَيَافِث . وَقَالَ الْأَعْمَش : كَانُوا سَبْعَة ; نُوح وَثَلَاث كَنَائِن وَثَلَاثَة بَنِينَ ; وَأَسْقَطَ اِمْرَأَة نُوح . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانُوا عَشَرَة سِوَى نِسَائِهِمْ ; نُوح وَبَنُوهُ سَام وَحَام وَيَافِث , وَسِتَّة أُنَاس مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ , وَأَزْوَاجهمْ جَمِيعًا . و " قَلِيل " رُفِعَ بِ" آمَنَ " , وَلَا يَجُوز نَصْبه عَلَى الِاسْتِثْنَاء ; لِأَنَّ الْكَلَام قَبْله لَمْ يَتِمّ , إِلَّا أَنَّ الْفَائِدَة فِي دُخُول " إِلَّا " و " مَا " لِأَنَّك لَوْ قُلْت : آمَنَ مَعَهُ فُلَان وَفُلَان جَازَ أَنْ يَكُون غَيْرهمْ قَدْ آمَنَ ; فَإِذَا جِئْت بِمَا وَإِلَّا , أَوْجَبْت لِمَا بَعْد إِلَّا وَنَفَيْت عَنْ غَيْرهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • النور والظلمات في ضوء الكتاب والسنة

    النور والظلمات في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في (النور والظلمات في الكتاب والسُّنَّة)، ذكرت فيها بإيجاز الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي جاء فيها ذكر النور والظلمات، وفسرت الآيات، وشرحت الأحاديث وبنيت ذلك على كلام أئمة التفسير وشُرَّاح السنة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193643

    التحميل:

  • صلاة العيدين في المصلى هي السنة

    صلاة العيدين في المصلى هي السنة : قال المؤلف - رحمه الله - « فهذه رسالة لطيفة في إثبات أن صلاة العيدين في المُصلى خارج البلد هي السنة، كنتُ قد ألفتها منذ ثلاثين سنة، رداً على بعض المبتدعة الذين حاربوا إحياءَنا لهذه السنة في دمشق المحروسة أشد المحاربة، بعد أن ْ صارتْ عند الجماهير نسياً منسياً، لا فرق في ذالك بين الخاصة والعامة، إلا منْ شاء الله ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233618

    التحميل:

  • وبشر الصابرين

    وبشر الصابرين: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألَقِ الصابرين، وقصص الشاكرين، أزُفُّها إلى كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، فإن الصبر درعٌ لكل مسلم، ووقاءٌ لكل مؤمنٍ، وملاذٌ - بعد الله - لكل مُوحِّد. أبعثُها إلى كل من ابتُلِي ببلاء، أو تعرَّضَ لعناء، أو مرَّ به شَقَاء، فإن الصبرَ سلوةٌ له في الدنيا، ورفعةٌ له في الآخرة... أُقدِّمها إلى كل أبٍ احترق فؤاده، وتمزَّق قلبه، وجزَعَت نفسه لغيابٍ لقُرَّة العين، أو فقدٍ لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء. إلى كل أمٍّ تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلةٍ مؤلمةٍ، أو قارعةٍ مُزعجةٍ، أو فاجعةٍ مُحزِنةٍ، أو غيبةٍ لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسرٍ لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاءٌ في جنَّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر».

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381059

    التحميل:

  • كيف تصلي على الميت؟

    في هذه الرسالة بيان صفة الصلاة على الميت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209122

    التحميل:

  • أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة

    أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات العلمية، جعلتُها تحت عنوان: «أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384366

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة