Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 38

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) (هود) mp3
أَيْ وَطَفِقَ يَصْنَع . قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : مَكَثَ نُوح صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة سَنَة يَغْرِس الشَّجَر وَيَقْطَعهَا وَيُيَبِّسهَا , وَمِائَة سَنَة يَعْمَلهَا . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ اِبْن أَشْرَس عَنْ مَالِك قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ قَوْم نُوح مَلَئُوا الْأَرْض , حَتَّى مَلَئُوا السَّهْل وَالْجَبَل , فَمَا يَسْتَطِيع هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ , وَلَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَصْعَدُوا إِلَى هَؤُلَاءِ فَمَكَثَ نُوح يَغْرِس الشَّجَر مِائَة عَام لِعَمَلِ السَّفِينَة , ثُمَّ جَمَعَهَا يُيَبِّسهَا مِائَة عَام , وَقَوْمه يَسْخَرُونَ ; وَذَلِكَ لِمَا رَأَوْهُ يَصْنَع مِنْ ذَلِكَ , حَتَّى كَانَ مِنْ قَضَاء اللَّه فِيهِمْ مَا كَانَ . وَرُوِيَ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث قَالَ : عَمِلَ نُوح سَفِينَته بِبِقَاعِ دِمَشْق , وَقَطَعَ خَشَبهَا مِنْ جَبَل لُبْنَان . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَمَّا اِسْتَنْقَذَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَنْ فِي الْأَصْلَاب وَالْأَرْحَام مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ . " أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِن مِنْ قَوْمك إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ " " فَاصْنَعْ الْفُلْك " قَالَ : يَا رَبّ مَا أَنَا بِنَجَّارٍ , قَالَ : " بَلَى فَإِنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي " فَأَخَذَ الْقَدُوم فَجَعَلَهُ بِيَدِهِ , وَجَعَلَتْ يَده لَا تُخْطِئ , فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ بِهِ وَيَقُولُونَ : هَذَا الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ صَارَ نَجَّارًا ; فَعَمِلَهَا فِي أَرْبَعِينَ سَنَة . وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ وَأَبُو نَصْر الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( اِتَّخَذَ نُوح السَّفِينَة فِي سَنَتَيْنِ ) . زَادَ الثَّعْلَبِيّ : وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَم كَيْف صَنْعَة الْفُلْك , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِصْنَعْهَا كَجُؤْجُؤِ الطَّائِر . وَقَالَ كَعْب : بَنَاهَا فِي ثَلَاثِينَ سَنَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الْمَهْدَوِيّ : وَجَاءَ فِي الْخَبَر أَنَّ الْمَلَائِكَة كَانَتْ تُعَلِّمهُ كَيْف يَصْنَعهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي طُولهَا وَعَرْضهَا ; فَعَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( كَانَ طُولهَا ثَلَاثمِائَةِ ذِرَاع , وَعَرْضهَا خَمْسُونَ , وَسُمْكهَا ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا ; وَكَانَتْ مِنْ خَشَب السَّاج ) . وَكَذَا قَالَ الْكَلْبِيّ وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة كَانَ طُولهَا ثَلَاثمِائَةِ ذِرَاع , وَالذِّرَاع إِلَى الْمَنْكِب . قَالَهُ سَلْمَان الْفَارِسِيّ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : إِنَّ طُول السَّفِينَة أَلْف ذِرَاع وَمِائَتَا ذِرَاع , وَعَرْضهَا سِتّمِائَةِ ذِرَاع . وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ فِي كِتَاب الْعَرَائِس . وَرَوَى عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : لَوْ بَعَثْت لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَة يُحَدِّثنَا عَنْهَا , فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى كَثِيب مِنْ تُرَاب فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَاب , قَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ : هَذَا كَعْب حَام بْن نُوح قَالَ فَضَرَبَ الْكَثِيب بِعَصَاهُ وَقَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّه فَإِذَا هُوَ قَائِم يَنْفُض التُّرَاب مِنْ رَأْسه , وَقَدْ شَابَ ; فَقَالَ لَهُ عِيسَى : أَهَكَذَا هَلَكْت ؟ قَالَ : لَا بَلْ مُتّ وَأَنَا شَابّ ; وَلَكِنَّنِي ظَنَنْت أَنَّهَا السَّاعَة فَمِنْ ثَمَّ شِبْت . قَالَ : أَخْبِرْنَا عَنْ سَفِينَة نُوح ؟ قَالَ : كَانَ طُولهَا أَلْف ذِرَاع وَمِائَتَيْ ذِرَاع , وَعَرْضهَا سِتّمِائَةِ ذِرَاع , وَكَانَتْ ثَلَاث طَبَقَات , طَبَقَة فِيهَا الدَّوَابّ وَالْوَحْش , وَطَبَقَة فِيهَا الْإِنْس , وَطَبَقَة فِيهَا الطَّيْر . وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَر عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ) . وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِيمَا حَكَاهُ النَّقَّاش : وَدَخَلَ الْمَاء فِيهَا أَرْبَعَة أَذْرُع , وَكَانَ لَهَا ثَلَاثَة أَبْوَاب ; بَاب فِيهِ السِّبَاع وَالطَّيْر , وَبَاب فِيهِ الْوَحْش , وَبَاب فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء . اِبْن عَبَّاس جَعَلَهَا ثَلَاث بُطُون ; الْبَطْن الْأَسْفَل لِلْوُحُوشِ وَالسِّبَاع وَالدَّوَابّ , وَالْأَوْسَط لِلطَّعَامِ وَالشَّرَاب , وَرَكِبَ هُوَ فِي الْبَطْن الْأَعْلَى , وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام مُعْتَرِضًا بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء , ثُمَّ دَفَنَهُ بَعْد بِبَيْتِ الْمَقْدِس ; وَكَانَ إِبْلِيس مَعَهُمْ فِي الْكَوْثَل . وَقِيلَ : جَاءَتْ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب لِدُخُولِ السَّفِينَة فَقَالَ نُوح : لَا أَحْمِلكُمَا ; لِأَنَّكُمَا سَبَب الضَّرَر وَالْبَلَاء , فَقَالَتَا : اِحْمِلْنَا فَنَحْنُ نَضْمَن لَك أَلَّا نَضُرّ أَحَدًا ذَكَرَك ; فَمَنْ قَرَأَ حِين يَخَاف مَضَرَّتهمَا " سَلَام عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ " [ الصَّافَّات : 79 ] لَمْ تَضُرَّاهُ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْره . وَذَكَرَ الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي التَّارِيخ لَهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ حِين يُمْسِي صَلَّى اللَّه عَلَى نُوح وَعَلَى نُوح السَّلَام لَمْ تَلْدَغهُ عَقْرَب تِلْكَ اللَّيْلَة ) .


ظَرْف


قَالَ الْأَخْفَش وَالْكِسَائِيّ يُقَال : سَخِرْت بِهِ وَمِنْهُ . وَفِي سُخْرِيَتهمْ مِنْهُ قَوْلَانِ :

أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ يَبْنِي سَفِينَته فِي الْبَرّ , فَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَيَقُولُونَ : يَا نُوح صِرْت بَعْد النُّبُوَّة نَجَّارًا .

الثَّانِي : لَمَّا رَأَوْهُ يَبْنِي السَّفِينَة وَلَمْ يُشَاهِدُوا قَبْلهَا سَفِينَة بُنِيَتْ قَالُوا : يَا نُوح مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : أَبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلَى الْمَاء ; فَعَجِبُوا مِنْ قَوْله وَسَخِرُوا مِنْهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض قَبْل الطُّوفَان نَهَر وَلَا بَحْر ) ; فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنْهُ ; وَمِيَاه الْبِحَار هِيَ بَقِيَّة الطُّوفَان .


أَيْ مِنْ فِعْلنَا الْيَوْم عِنْد بِنَاء السَّفِينَة .


غَدًا عِنْد الْغَرَق . وَالْمُرَاد بِالسُّخْرِيَةِ هُنَا الِاسْتِجْهَال ; وَمَعْنَاهُ إِنْ تَسْتَجْهِلُونَا فَإِنَّا نَسْتَجْهِلُكُمْ كَمَا تَسْتَجْهِلُونَنَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إفادة المسئول عن ثلاثة الأصول

    ثلاثة الأصول وأدلتها : رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح القصير - أثابه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285588

    التحميل:

  • شـرح القواعد الأربع [ الحنين ]

    من جملة مصنفات الشيخ بن عبد الوهاب - رحمه الله: (القواعد الأربع) وهو مصنف قليل لفظه، عظيم نفعه، يعالج قضية من أكبر القضايا، إنها فتنة الشرك بالله، صاغها المؤلف – رحمه الله – بعلم راسخ ودراية فائقة، مستقى نبعها كتاب الله، تقي الموحِّد هذا الداء العضال الذي فشا، وترشد طالب الحق والهدى، وتلجم أهل الغي والردى. فنظراً لأهمية هذا الكتاب وتعميم فائدته قام بشرحه الدكتور محمد بن سعد بن عبد الرحمن الحنين - حفظه الله -، عسى الله أن ينفع به المسلمين ويهديهم بالرجوع إلى الطريق المستقيم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380441

    التحميل:

  • تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة

    تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة : أصل هذا السفر العظيم تعجيل المنفعة كتاب "التذكرة في رجال الكتاب العشرة" لأبي المحاسن شمس الدين محمد بن حمزة الحسيني الشافعي (715-765) حيث اختصر فيه كتاب "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وأضاف لتراجمة من في "مسند أبي حنيفة للحارثي"، و"الموطأ" لمالك، والمسند للشافعي، ومسند الإمام أحمد، وقال في أوله: "ذكرت فيها رجال كتب الأئمة الربعة المقتدى بهم، أن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم" ثم أفاد الحافظ ابن حجر من هذا الكتاب فحذف رجال الأئمة الستة، واكتفى بإيرادهم في كتاب "تهذيب التهذيب" وسلخ ما ذكره الحافظ الحسيني في رجال الأئمة الأربعة، فبدأ بما قاله ثم يعقب أو يسترد ألفاظ جرح وتعديل أو شيوخ للراوي المترجم.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141380

    التحميل:

  • خلاصة في علم الفرائض

    رسالة تحتوي على بيان بعض أحكام المواريث باختصار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335002

    التحميل:

  • المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال

    المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال : هذه مداخل لمشروع علمي مبارك كبير ، وهو نشر : آثار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من كتبه ورسائله وفتاويه ، وما لحقها من أعمال من المختصرات والاختيارات ، ونحوها ، وسيرته العطرة ، فهو أعظم مجدد للملة الحنيفية بعد القرون المفضلة الزكية.

    الناشر: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166553

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة