Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) (هود) mp3
عَطْف عَلَى الْأَوَّل .


أَيْ اِرْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة . قَالَ الْفَرَّاء : " ثُمَّ " هُنَا بِمَعْنَى الْوَاو ; أَيْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِغْفَار هُوَ التَّوْبَة , وَالتَّوْبَة هِيَ الِاسْتِغْفَار . وَقِيلَ : اِسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِف ذُنُوبكُمْ , وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْمُسْتَأْنَف مَتَى وَقَعَتْ مِنْكُمْ . قَالَ بَعْض الصُّلَحَاء : الِاسْتِغْفَار بِلَا إِقْلَاع تَوْبَة الْكَذَّابِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " آل عِمْرَان " مُسْتَوْفًى . وَفِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله : " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " [ الْبَقَرَة : 231 ] . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْر الِاسْتِغْفَار لِأَنَّ الْمَغْفِرَة هِيَ الْغَرَض الْمَطْلُوب , وَالتَّوْبَة هِيَ السَّبَب إِلَيْهَا ; فَالْمَغْفِرَة أَوَّل فِي الْمَطْلُوب وَآخِر فِي السَّبَب . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى اِسْتَغْفِرُوهُ مِنْ الصَّغَائِر , وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْكَبَائِر .


هَذِهِ ثَمَرَة الِاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة , أَيْ يُمَتِّعكُمْ بِالْمَنَافِعِ ثُمَّ سَعَة الرِّزْق وَرَغَد الْعَيْش , وَلَا يَسْتَأْصِلكُمْ بِالْعَذَابِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ أَهْلَكَ قَبْلكُمْ . وَقِيلَ : يُمَتِّعكُمْ يُعَمِّركُمْ ; وَأَصْل الْإِمْتَاع الْإِطَالَة , وَمِنْهُ أَمْتَعَ اللَّه بِك وَمَتَّعَ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : الْمَتَاع الْحَسَن تَرْك الْخَلْق وَالْإِقْبَال عَلَى الْحَقّ . وَقِيلَ : هُوَ الْقَنَاعَة بِالْمَوْجُودِ , وَتَرْك الْحُزْن عَلَى الْمَفْقُود .


قِيلَ : هُوَ الْمَوْت . وَقِيلَ : الْقِيَامَة . وَقِيلَ : دُخُول الْجَنَّة . وَالْمَتَاع الْحَسَن عَلَى هَذَا وِقَايَة كُلّ مَكْرُوه وَأَمْر مَخُوف , مِمَّا يَكُون فِي الْقَبْر وَغَيْره مِنْ أَهْوَال الْقِيَامَة وَكَرْبهَا ; وَالْأَوَّل أَظْهَر ; لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَة : " وَيَا قَوْم اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ " [ هُود : 52 ] وَهَذَا يَنْقَطِع بِالْمَوْتِ وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمَّى . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ مُقَاتِل : فَأَبَوْا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَابْتُلُوا بِالْقَحْطِ سَبْع سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام الْمُحْرِقَة وَالْقَذَر وَالْجِيَف وَالْكِلَاب .



أَيْ يُؤْتِ كُلّ ذِي عَمَل مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَات جَزَاء عَمَله . وَقِيلَ : وَيُؤْتِ كُلّ مَنْ فَضُلَتْ حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته " فَضْله " أَيْ الْجَنَّة , وَهِيَ فَضْل اللَّه ; فَالْكِنَايَة فِي قَوْله : " فَضْله " تَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ مَا يَحْتَسِبهُ الْإِنْسَان مِنْ كَلَام يَقُولهُ بِلِسَانِهِ , أَوْ عَمَل يَعْمَلهُ بِيَدِهِ أَوْ رِجْله , أَوْ مَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ مَاله فَهُوَ فَضْل اللَّه , يُؤْتِيه ذَلِكَ إِذَا آمَنَ , وَلَا يَتَقَبَّلهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا .


أَيْ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ كَبِير لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَهْوَال . وَقِيلَ : الْيَوْم الْكَبِير هُوَ يَوْم بَدْر وَغَيْره : و " تَوَلَّوْا " يَجُوز أَنْ يَكُون مَاضِيًا وَيَكُون الْمَعْنَى : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَقْبَلًا حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْمَعْنَى : قُلْ لَهُمْ إِنْ تَتَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • اتخاذ القرآن الكريم أساسا لشؤون الحياة والحكم في المملكة العربية السعودية

    إن القرآن الكريم قد حسم الحكم في قضية التشريع، ولم يجعل مكانا للمماحكة في هذا الحكم الجازم ولا لمحاولة التهرب والتحايل والتحريف؛ فشريعة الله هي التي يجب أن تُحكَّم في هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومِنْ بعدهم الحكام، وهذا هو مفرق الطرق بين الإيمان والكفر، وبين الشرع والهدى، فلا توسُّط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يُحَرِّفون منه حرفًا، ولا يبدلون منه شيئا، والكافرون والظالمون والفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله لأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى ممَّا لم يأذن به الله فهم الكافرون والظالمون والفاسقون، والناس كل الناس إما أن يقبلوا حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم المؤمنون، وإلا فما هم بمؤمنين ولا وسط بين هذا الطريق وذاك، ولا حجة ولا معذرة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110564

    التحميل:

  • كيف نقرأ تاريخ الآل والأصحاب

    كيف نقرأ تاريخ الآل والأصحاب: بحث وضح معالم مهمّة للتعامل السليم مع كتب التاريخ، خاصة فيما يتعلّق بتاريخ الخلفاء الراشدين وما يتعلق بسير وتراجم الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وفضائل آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. - قدَّم لهذا الكتاب: الشيخ عائض القرني، والشيخ حاتم بن عارف العوني - حفظهما الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/74655

    التحميل:

  • نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة

    نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة تبين مفهوم التوحيد وأدلته وأنواعه وثمراته، ومفهوم الشرك وأدلة إبطالِه، وبيان الشفاعة المنفية والمثبتة، وأسباب ووسائل الشرك وأنواعه وأقسامه، وأضراره وآثاره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1941

    التحميل:

  • التكفير وضوابطه

    التكفير وضوابطه: بعث الله نبيه بالحجة البينة الواضحة، فأنار السبيل، وكشف الظلمة، وترك أمته على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وكان من أوائل من زاغ عن هديه - صلى الله عليه وسلم - الخوارجُ، فكانوا أول المبتدعة ظهورًا في الإسلام، وأظهرها ذمًّا في السنة النبوية. وأمام داهية عودة التكفير - من جديد - بين بعض شباب المسلمين، رأت رابطةُ العالم الإسلامي أن تسهم في التصدي لهذه الضلالة بيانًا للحق، وقيامًا بالواجب، ولتكون هذه الدراسة وغيرها نبراس هداية لكل من استزلَّه الشيطان فوقع في إخوانه المسلمين تكفيرًا وتفسيقًا.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323935

    التحميل:

  • دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة

    دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة: بسط لعقيدة أهل السنة و الجماعة، و بيان لموردهم في عقيدة الأسماء و الصفات، و الذب عن حياض أهل العلم، و خاصة بن باز رحمه الله الذي كال له الحاقدين صنوف الإتهام و الإفك، ليصدوا العامة عن علمه الصافي و عقيدته السليمه لأغراض كاسدة بائسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76536

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة