Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) (هود) mp3
قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْمَلَأ الرُّؤَسَاء ; أَيْ هُمْ مَلِيئُونَ بِمَا يَقُولُونَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْبَقَرَة " وَغَيْرهَا .


أَيْ آدَمِيًّا . " مِثْلنَا " نُصِبَ عَلَى الْحَال . و " مِثْلنَا " مُضَاف إِلَى مَعْرِفَة وَهُوَ نَكِرَة يُقَدَّر فِيهِ التَّنْوِين ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَا رُبَّ مِثْلك فِي النِّسَاء غَرِيرَة



أَرَاذِل جَمْع أَرْذُل وَأَرْذُل جَمْع رَذْل ; مِثْل كَلْب وَأَكْلُب وَأَكَالِب . وَقِيلَ : وَالْأَرَاذِل جَمْع الْأَرْذَل , كَأَسَاوِد جَمْع الْأَسْوَد مِنْ الْحَيَّات . وَالرَّذْل النَّذْل ; أَرَادُوا اِتَّبَعَك أَخِسَّاؤُنَا وَسَقَطنَا وَسَفَلَتنَا . قَالَ الزَّجَّاج : نَسَبُوهُمْ إِلَى الْحِيَاكَة ; وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الصِّنَاعَات لَا أَثَر لَهَا فِي الدِّيَانَة . قَالَ النَّحَّاس : الْأَرَاذِل هُمْ الْفُقَرَاء , وَاَلَّذِينَ لَا حَسَب لَهُمْ , وَالْخَسِيسُو الصِّنَاعَات . وَفِي الْحَدِيث ( أَنَّهُمْ كَانُوا حَاكَة وَحَجَّامِينَ ) . وَكَانَ هَذَا جَهْلًا مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ عَابُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَا عَيْب فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ , إِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْبَرَاهِينِ وَالْآيَات , وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ تَغْيِير الصُّوَر وَالْهَيْئَات , وَهُمْ يُرْسَلُونَ إِلَى النَّاس جَمِيعًا , فَإِذَا أَسْلَمَ مِنْهُمْ الدَّنِيء لَمْ يَلْحَقهُمْ مِنْ ذَلِكَ نُقْصَان ; لِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْبَلُوا إِسْلَام كُلّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ .

قُلْت : الْأَرَاذِل هُنَا هُمْ الْفُقَرَاء وَالضُّعَفَاء ; كَمَا قَالَ هِرَقْل لِأَبِي سُفْيَان : أَشْرَاف النَّاس اِتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فَقَالَ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ ; فَقَالَ : هُمْ أَتْبَاع الرُّسُل . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ الرِّيَاسَة عَلَى الْأَشْرَاف , وَصُعُوبَة الِانْفِكَاك عَنْهَا , وَالْأَنَفَة مِنْ الِانْقِيَاد لِلْغَيْرِ ; وَالْفَقِير خَلِيّ عَنْ تِلْكَ الْمَوَانِع , فَهُوَ سَرِيع إِلَى الْإِجَابَة وَالِانْقِيَاد . وَهَذَا غَالِب أَحْوَال أَهْل الدُّنْيَا .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَعْيِين السَّفَلَة عَلَى أَقْوَال ; فَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَان أَنَّ السَّفَلَة هُمْ الَّذِينَ يَتَقَلَّسُونَ , وَيَأْتُونَ أَبْوَاب الْقُضَاة وَالسَّلَاطِين يَطْلُبُونَ الشَّهَادَات وَقَالَ ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : السَّفَلَة الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِدِينِهِمْ ; قِيلَ لَهُ : فَمَنْ سَفَلَة السَّفَلَة ؟ قَالَ : الَّذِي يُصْلِح دُنْيَا غَيْره بِفَسَادِ دِينه . وَسُئِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ السَّفَلَة فَقَالَ : الَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا غَلَبُوا ; وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا . وَقِيلَ لِمَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ السَّفَلَة ؟ قَالَ : الَّذِي يَسُبّ الصَّحَابَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( الْأَرْذَلُونَ الْحَاكَة وَالْحَجَّامُونَ ) . يَحْيَى بْن أَكْثَم : الدَّبَّاغ وَالْكَنَّاس إِذَا كَانَ مِنْ غَيْر الْعَرَب .

إِذَا قَالَتْ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : يَا سَفِلَة , فَقَالَ : إِنْ كُنْت مِنْهُمْ فَأَنْتِ طَالِق ; فَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى التِّرْمِذِيّ فَقَالَ : إِنَّ اِمْرَأَتِي قَالَتْ لِي يَا سَفِلَة , فَقُلْت : إِنْ كُنْت سَفِلَة فَأَنْتِ طَالِق ; قَالَ التِّرْمِذِيّ : مَا صِنَاعَتك ؟ قَالَ : سَمَّاك ; قَالَ : سَفِلَة وَاَللَّه , سَفِلَة وَاَللَّه سَفِلَة . قُلْت : وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَان لَا تَطْلُق , وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْل مَالِك , وَابْن الْأَعْرَابِيّ لَا يَلْزَمهُ شَيْء .


أَيْ ظَاهِر الرَّأْي , وَبَاطِنهمْ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ . يُقَال : بَدَا يَبْدُو . إِذَا ظَهَرَ ; كَمَا قَالَ : فَالْيَوْم حِين بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ وَيُقَال لِلْبَرِّيَّةِ بَادِيَة لِظُهُورِهَا . وَبَدَا لِي أَنْ أَفْعَل كَذَا , أَيْ ظَهَرَ لِي رَأْي غَيْر الْأَوَّل . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ فِيمَا يَبْدُو لَنَا مِنْ الرَّأْي . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " بَادِي الرَّأْي " مِنْ بَدَأَ يَبْدَأ وَحَذَفَ الْهَمْزَة . وَحَقَّقَ أَبُو عَمْرو الْهَمْزَة فَقَرَأَ : " بَادِئ الرَّأْي " أَيْ أَوَّل الرَّأْي ; أَيْ اِتَّبَعُوك حِين اِبْتَدَءُوا يَنْظُرُونَ , وَلَوْ أَمْعَنُوا النَّظَر وَالْفِكْر لَمْ يَتَّبِعُوك ; وَلَا يَخْتَلِف الْمَعْنَى هَاهُنَا بِالْهَمْزِ وَتَرْك الْهَمْز . وَانْتَصَبَ عَلَى حَذْف " فِي " كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمه " [ الْأَعْرَاف : 155 ] .


أَيْ فِي اِتِّبَاعه ; وَهَذَا جَحْد مِنْهُمْ لِنُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ


الْخِطَاب لِنُوحٍ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الروض المربع شرح زاد المستقنع

    الروض المربع : يحتوي على شرح المتن الحنبلي المشهور زاد المستقنع لأبي النجا موسى الحجاوي.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141396

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ المحبة ]

    قرة عين المحب ولذته ونعيم روحه في طاعة محبوبه; بخلاف المطيع كرهاً; المحتمل للخدمة ثقلاً; الذي يرى أنه لولا ذلٌّ قهره وعقوبة سيده له لما أطاعه فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي أذله مكرهه وقاهره; بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتاً ونعيماً ولذةً وسروراً; فهذا ليس الحامل له على الطاعة والعبادة والعمل ذل الإكراه.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340015

    التحميل:

  • مشروعك الذي يلائمك

    للمسلم الصادق في هذه الدنيا هدف يسعى لتحقيقه; وهو لا يتوقف عن العمل على آخر رمق في حياته; عملاً بقول الله تعالى: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) [ الأنعام: 163]; ولكي يحقق أهدافه; يتحتم عليه التخطيط لأعماله; والسعي الدؤوب لنجاحها واستقرارها; ولن يتأتى له ذلك حتى يوفق في اختيار مشروعه. فما مشروعك في الحياة؟ وكيف تختاره؟ وما الأسس التي يقوم عليها؟ جواب ذلك تجده مسطوراً في ثنايا هذا الكتيب.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339984

    التحميل:

  • الضياء اللامع من الخطب الجوامع

    الضياء اللامع من الخطب الجوامع : مجموعة منتقاة من خطبة العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - يزيد عددها على مئة وربع المئة، وقد تم تقسيمها على تصنيفاتح حتى يسهل على الخطيب الاستفادة منها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111042

    التحميل:

  • المجروحين

    المجروحين: أحد كتب الجرح صنفها الحافظ ابن حبان - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141418

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة