Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) (هود) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل :

الْأُولَى : " مَنْ كَانَ " كَانَ زَائِدَة , وَلِهَذَا جُزِمَ بِالْجَوَابِ فَقَالَ : " نُوَفِّ إِلَيْهِمْ " قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ الزَّجَّاج : " مَنْ كَانَ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالشَّرْطِ , وَجَوَابه " نُوَفِّ إِلَيْهِمْ " أَيْ مَنْ يَكُنْ يُرِيد ; وَالْأَوَّل فِي اللَّفْظ مَاضٍ وَالثَّانِي مُسْتَقْبَل , كَمَا قَالَ زُهَيْر : وَمَنْ هَابَ أَسْبَاب الْمَنِيَّة يَلْقَهَا وَلَوْ رَامَ أَسْبَاب السَّمَاء بِسُلَّمِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة ; فَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْكُفَّار ; قَالَهُ الضَّحَّاك , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس ; بِدَلِيلِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا " أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار " [ هُود : 16 ] أَيْ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِصِلَةِ رَحِم أَوْ صَدَقَة نُكَافِئهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا , بِصِحَّةِ الْجِسْم , وَكَثْرَة الرِّزْق , لَكِنْ لَا حَسَنَة لَهُ فِي الْآخِرَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " بَرَاءَة " مُسْتَوْفًى . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْمُؤْمِنُونَ ; أَيْ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَاب الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ الثَّوَاب وَلَمْ يُنْقَص شَيْئًا فِي الدُّنْيَا , وَلَهُ فِي الْآخِرَة الْعَذَاب لِأَنَّهُ جَرَّدَ قَصْده إِلَى الدُّنْيَا , وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) فَالْعَبْد إِنَّمَا يُعْطَى عَلَى وَجْه قَصْده , وَبِحُكْمِ ضَمِيره ; وَهَذَا أَمْر مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي الْأُمَم بَيْن كُلّ مِلَّة . وَقِيلَ : هُوَ لِأَهْلِ الرِّيَاء ; وَفِي الْخَبَر أَنَّهُ يُقَال لِأَهْلِ الرِّيَاء : ( صُمْتُمْ وَصَلَّيْتُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ وَجَاهَدْتُمْ وَقَرَأْتُمْ لِيُقَالَ ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ) ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ هَؤُلَاءِ أَوَّل مَنْ تُسَعَّر بِهِمْ النَّار ) . رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة , ثُمَّ بَكَى بُكَاء شَدِيدًا وَقَالَ : صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا " وَقَرَأَ الْآيَتَيْنِ , . خَرَّجَهُ مُسْلِم [ فِي صَحِيحه ] بِمَعْنَاهُ وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضًا . وَقِيلَ : الْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ غَيْر اللَّه تَعَالَى , كَانَ مَعَهُ أَصْل إِيمَان أَوْ لَمْ يَكُنْ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَمَيْمُون بْن مِهْرَان , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعَاوِيَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَان : لَيْسَ أَحَد يَعْمَل حَسَنَة إِلَّا وُفِّيَ ثَوَابهَا ; فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا وُفِّيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وُفِّيَ فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : مَنْ كَانَ يُرِيد [ الدُّنْيَا ] بِغَزْوِهِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُفِّيَهَا , أَيْ وُفِّيَ أَجْر الْغُزَاة وَلَمْ يُنْقَص مِنْهَا ; وَهَذَا خُصُوص وَالصَّحِيح الْعُمُوم .

الثَّانِيَة : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) وَتَدُلّك هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ فِي رَمَضَان لَا عَنْ رَمَضَان لَا يَقَع عَنْ رَمَضَان , وَتَدُلّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّف لَا يَقَع قُرْبَة عَنْ جِهَة الصَّلَاة , وَهَكَذَا كُلّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ .

الثَّالِثَة : ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُطْلَقَة ; وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي " الشُّورَى " " مَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الْآخِرَة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثه وَمَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا " [ الشُّورَى : 20 ] الْآيَة . وَكَذَلِكَ " وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا " [ آل عِمْرَان : 145 ] قَيَّدَهَا وَفَسَّرَهَا الَّتِي فِي " سُبْحَان " " مَنْ كَانَ يُرِيد الْعَاجِلَة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَنْ نُرِيد " [ الْإِسْرَاء : 18 ] إِلَى قَوْله : " مَحْظُورًا " [ الْإِسْرَاء : 20 ] فَأَخْبَرَ سُبْحَانه أَنَّ الْعَبْد يَنْوِي وَيُرِيد وَاَللَّه سُبْحَانه يَحْكُم مَا يُرِيد , وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( فِي قَوْله : " مَنْ كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : " مَنْ كَانَ يُرِيد الْعَاجِلَة " ) [ الْإِسْرَاء : 18 ] . وَالصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ ; وَأَنَّهُ مِنْ بَاب الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد ; وَمِثْله قَوْله : " وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ " [ الْبَقَرَة : 186 ] فَهَذَا ظَاهِره خَبَر عَنْ إِجَابَة كُلّ دَاعٍ دَائِمًا عَلَى كُلّ حَال , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ " [ الْأَنْعَام : 41 ] وَالنَّسْخ فِي الْأَخْبَار لَا يَجُوز ; لِاسْتِحَالَةِ تَبَدُّل الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة , وَلِاسْتِحَالَةِ الْكَذِب عَلَى اللَّه تَعَالَى فَأَمَّا الْأَخْبَار عَنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَيَجُوز نَسْخهَا عَلَى خِلَاف فِيهِ , عَلَى مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْأُصُول ; وَيَأْتِي فِي " النَّحْل " بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بر الوالدين في ضوء الكتاب والسنة

    بر الوالدين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «بر الوالدين» بيَّنت فيها: مفهوم بر الوالدين، لغةً واصطلاحًا، ومفهوم عقوق الوالدين لغةً واصطلاحًا، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما، ثم ذكرت أنواع البر التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276146

    التحميل:

  • منهج الاستنباط من القرآن الكريم

    تهتم هذه الرسالة بموضوع استخراج الأحكام والفوائد من القرآن الكريم والمنهج الصحيح الذي اتبعه العلماء في ذلك، كما تبين أهم الشروط التي يجب توفرها في من أراد الاستنباط من القرآن، وأهم الشروط في المعنى الذي استخرج من القرآن الكريم.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385695

    التحميل:

  • الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم : إن حاجة الأمة إلى معرفة سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والاقتباس من مشكاة النبوة فوق كل حاجة، بل إن ضرورتها إلى ذلك فوق كل ضرورة، وستظل السيرة العطرة الرصيد التاريخي والمنهل الحضاري، والمنهج العلمي والعملي الذي تستمد منه الأجيال المتلاحقة، من ورثة ميراث النبوة وحملة مشاعل الهداية زاد مسيرها، وأصول امتدادها، وعناصر بقائها، فكل من يرجو الله واليوم الآخر يجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوته، والمصطفى - عليه الصلاة والسلام - أسوته: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }. وفي هذا الكتاب بين الحافظ ابن كثير - رحمه الله - مايهم المسلم معرفته من سيرة سيدنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2459

    التحميل:

  • البلد الحرام فضائل وأحكام

    البلد الحرام فضائل وأحكام: هذه مذكرة مختصرة في ذكر فضائل البلد الحرام وبعض أحكامه، والمواقع المعظمة فيه، والتحذير من الإلحاد فيه بالبدع والمحدثات والذنوب والمنكرات، فيه حث جميع المسلمين أن يتدبروا النصوص الشرعية، وأن يتعلَّموا الأحكام العقدية والفقهية، وأن يلتزموا بالأداب النبوية، المتعلقة بهذا البلد الحرام، فهو بلد الله وبيته وحرمه، شرَّفه الله وعظَّمه واختصَّه من بين سائر الأماكن بتلك الأحكام والفضائل، فالموفق حقًّا من قدره حقّ قدره، فراعى حرمته، وحفظ له مكانته، وحرص فيه على زيادة الطاعات، واجتنب الذنوب والمنكرات، وعمل بكل فضيلة مشروعة، وترك كل رذيلة ممنوعة.

    الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332607

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ المحاسبة ]

    أعمال القلوب [ المحاسبة ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن محاسبة النفس طريقة المؤمنين، وسمة الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمنُ مُتَّقٍ لربه، مُحاسِبٌ لنفسه مُستغفِرٌ لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير ... ولذا ينبغي على العبد أن يزِنَ نفسَه قبل أن يُوزَن، ويُحاسِبها قبل أن يُحاسَب، ويتزيَّن ويتهيَّأ للعرض على الله. وسنتطرَّق في هذا الكتيب لبيان بعض ما قيل في مُحاسَبة الإنسان لنفسه».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355753

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة