Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 107

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) (هود) mp3
" مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ; أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَالتَّقْدِير : وَقْت ذَلِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل هَذَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الضَّحَّاك : الْمَعْنَى مَا دَامَتْ سَمَوَات الْجَنَّة وَالنَّار وَأَرْضهمَا وَالسَّمَاء كُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك , وَالْأَرْض مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمك ; وَفِي التَّنْزِيل : " وَأَوْرَثَنَا الْأَرْض نَتَبَوَّأ مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ نَشَاء " [ الزُّمَر : 74 ] . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْإِخْبَار عَنْ دَوَام الشَّيْء وَتَأْبِيده ; كَقَوْلِهِمْ : لَا آتِيك مَا جَنَّ لَيْل , أَوْ سَالَ سَيْل , وَمَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمَا نَاحَ الْحَمَام , وَمَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَنَحْو هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْر نِهَايَة ; فَأَفْهَمَهُمْ اللَّه تَخْلِيد الْكَفَرَة بِذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِزَوَالِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَخْلُوقَة أَصْلهَا مِنْ نُور الْعَرْش , وَأَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الْآخِرَة تُرَدَّانِ إِلَى النُّور الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ ; فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُور الْعَرْش .



فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل ; وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَال عَشَرَة : الْأُولَى : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : " فَفِي النَّار " كَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ تَأْخِير قَوْم عَنْ ذَلِكَ ; وَهَذَا قَوْل رَوَاهُ أَبُو نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ ; لِأَنَّ الْمُرَاد الْعَدَد لَا الْأَشْخَاص ; كَقَوْلِهِ : " مَا طَابَ لَكُمْ " [ النِّسَاء : 3 ] . وَعَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ ) . الثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجهمْ بَعْد مُدَّة مِنْ النَّار ; وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا " عَامًّا فِي الْكَفَرَة وَالْعُصَاة , وَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مِنْ " خَالِدِينَ " ; قَالَهُ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَأَبُو سِنَان وَغَيْرهمْ . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْخُل نَاس جَهَنَّم حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّة فَيُقَال هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . الثَّالِث : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ الزَّفِير وَالشَّهِيق ; أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ أَنْوَاع الْعَذَاب الَّذِي لَمْ يَذْكُرهُ , وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّة مِنْ النَّعِيم مَا ذُكِرَ , وَمَا لَمْ يُذْكَر . حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . الرَّابِع : قَالَ اِبْن مَسْعُود : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " وَهُوَ أَنْ يَأْمُر النَّار فَتَأْكُلهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ , ثُمَّ يُجَدِّد خَلْقهمْ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل خَاصّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاء لَهُ فِي الْأَكْل , وَتَجْدِيد الْخَلْق . الْخَامِس : أَنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى " سِوَى " كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : مَا مَعِي رَجُل إِلَّا زَيْد , وَلِي عَلَيْك أَلْفَا دِرْهَم إِلَّا الْأَلْف الَّتِي لِي عَلَيْك . قِيلَ : فَالْمَعْنَى مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض سِوَى مَا شَاءَ رَبّك مِنْ الْخُلُود . السَّادِس : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْإِخْرَاج , وَهُوَ لَا يُرِيد أَنْ يُخْرِجهُمْ مِنْهَا . كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : أَرَدْت أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاء غَيْره , وَأَنْتَ مُقِيم عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا , ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاج عَنْ أَهْل اللُّغَة , قَالَ : وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ , فَأَحَد الْقَوْلَيْنِ : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ مِقْدَار مَوْقِفهمْ عَلَى رَأْس قُبُورهمْ , وَلِلْمُحَاسَبَةِ , وَقَدْر مُكْثهمْ فِي الدُّنْيَا , وَالْبَرْزَخ , وَالْوُقُوف لِلْحِسَابِ . وَالْقَوْل الْآخَر : وُقُوع الِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة عَلَى النَّعِيم وَالْعَذَاب , وَتَقْدِيره : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة النَّعِيم لِأَهْلِ النَّعِيم , وَزِيَادَة الْعَذَاب لِأَهْلِ الْجَحِيم . قُلْت : فَالِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة مِنْ الْخُلُود عَلَى مُدَّة كَوْن السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ , أَيْ خَالِدِينَ فِيهَا مِقْدَار دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ مُدَّة الْعَالَم , وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْض وَقْت يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ , وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] فَخَلَقَ اللَّه سُبْحَانه الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ , وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِالْجَنَّةِ , وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْم الْمِيثَاق , فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْد فَلَهُ الْجَنَّة , وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يَخْلُد فِي النَّار بِمِقْدَارِ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ; فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ ; وَكَذَلِكَ أَهْل الْجَنَّة خُلُود فِي الْجَنَّة بِمِقْدَارِ ذَلِكَ ; فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَة وَقَعَ الْجَمِيع فِي مَشِيئَة اللَّه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ . مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " [ الدُّخَان : 39 ] فَيَخْلُد أَهْل الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامهمَا , وَهُوَ حَقّ الرُّبُوبِيَّة بِذَلِكَ الْمِقْدَار مِنْ الْعَظَمَة ; ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمْ الْأَبَد فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ ; فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَاره أَبَدًا , وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْن أَبَدًا ; فَأَعْلَمَ اللَّه الْعِبَاد مِقْدَار الْخُلُود , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة الْمُدَّة الَّتِي تَعْجِز الْقُلُوب عَنْ إِدْرَاكهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَة لَهَا ; فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودهمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , قَالَهُ الْفَرَّاء وَبَعْض أَهْل النَّظَر وَهُوَ الثَّامِن : وَالْمَعْنَى : وَمَا شَاءَ رَبّك مِنْ الزِّيَادَة فِي الْخُلُود عَلَى مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ الْبَقَرَة : 150 ] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقَالَ الشَّاعِر : وَكُلّ أَخ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد مَكِّيّ : وَهَذَا قَوْل بَعِيد عِنْد الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُون " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبّك ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " [ النِّسَاء : 22 ] أَيْ كَمَا قَدْ سَلَفَ , وَهُوَ : التَّاسِع , الْعَاشِر : وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيق الِاسْتِثْنَاء الَّذِي نَدَبَ الشَّرْع إِلَى اِسْتِعْمَاله فِي كُلّ كَلَام ; فَهُوَ عَلَى حَدّ قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] فَهُوَ اِسْتِثْنَاء فِي وَاجِب , وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي حُكْم الشَّرْط كَذَلِكَ ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ رَبّك ; فَلَيْسَ يُوصَف بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِع ; وَيُؤَيِّدهُ وَيُقَوِّيه قَوْله تَعَالَى : " عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ " وَنَحْوه عَنْ أَبِي عُبَيْد قَالَ : تَقَدَّمَتْ عَزِيمَة الْمَشِيئَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فِي خُلُود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ ; فَوَقَعَ لَفْظ الِاسْتِثْنَاء , وَالْعَزِيمَة قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُود , قَالَ : وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا , فَلَمْ يُوجِب الِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا ; إِذْ الْمَشِيئَة قَدْ تَقَدَّمَتْ , بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُود فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُول فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ; وَنَحْوه عَنْ الْفَرَّاء . وَقَوْل : حَادِي عَشَرَ : وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاء هُمْ السُّعَدَاء , وَالسُّعَدَاء هُمْ الْأَشْقِيَاء لَا غَيْرهمْ , وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِع إِلَيْهِمْ ; وَبَيَانه أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " اِسْتَثْنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي النَّار الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , وَاسْتَثْنَى مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّة الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّار بِذُنُوبِهِمْ قَبْل دُخُول الْجَنَّة ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّة . وَهُمْ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي ; كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " أَلَّا يُخَلِّدهُ فِيهَا , وَهُمْ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَهُمْ بِدُخُولِهِمْ النَّار يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاء , وَبِدُخُولِهِمْ الْجَنَّة يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاء ; كَمَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس إِذْ قَالَ : الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّار ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولهمْ الْجَنَّة . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّل شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا . قَالَ النَّحَّاس : وَرَأَيْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَتَعَجَّب مِنْ قِرَاءَة الْكِسَائِيّ " سُعِدُوا " مَعَ عِلْمه بِالْعَرَبِيَّةِ ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوز ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال : سَعِدَ فُلَان وَأَسْعَدَهُ اللَّه , وَأَسْعَدَ مِثْل أَمْرَضَ ; وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ الْكِسَائِيّ بِقَوْلِهِمْ : مَسْعُود وَلَا حُجَّة لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُقَال : مَكَان مَسْعُود فِيهِ , ثُمَّ يُحْذَف فِيهِ وَيُسَمَّى بِهِ . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ ضَمَّ السِّين مِنْ " سُعِدُوا " فَهُوَ مَحْمُول عَلَى قَوْلهمْ : مَسْعُود وَهُوَ شَاذّ قَلِيل ; لِأَنَّهُ لَا يُقَال : سَعِدَهُ اللَّه ; إِنَّمَا يُقَال : أَسْعَدَهُ اللَّه . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : " سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَة ; يُقَال : سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " سَعِدُوا " بِفَتْحِ السِّين قِيَاسًا عَلَى " شَقُوا " وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالسَّعَادَة خِلَاف الشَّقَاوَة ; تَقُول : مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيد , مِثْل سَلِمَ فَهُوَ سَلِيم , وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُود ; وَلَا يُقَال فِيهِ : مُسْعَد , كَأَنَّهُمْ اِسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم : وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّه فَهُوَ مَسْعُود , وَأَسْعَدَهُ اللَّه فَهُوَ مُسْعَد ; فَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : لَا يُقَال سَعِدَ فُلَان كَمَا لَا يُقَال شَقِيَ فُلَان ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة [ 200 سؤال وجواب في العقيدة ]

    أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة [ 200 سؤال وجواب في العقيدة ]: شرح لعقيدة أهل السنة و الجماعة في هيئة مبسطة على شكل سؤال وجواب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1876

    التحميل:

  • مجالس شهر رمضان

    مجالس شهر رمضان : فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144934

    التحميل:

  • نماذج مختارة في محاسن الإسلام من هدي خير الأنام

    نماذج مختارة في محاسن الإسلام من هدي خير الأنام : رسالة لطيفة تحتوي على نماذج من السنة النبوية التي تظهر محاسن الإسلام وآدابه وحسن معاملاته ورحمته بالخلق أجمعين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66754

    التحميل:

  • حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية

    حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية: هذه الدراسة محاولة لتشخيص غريزة الغضب ودراستها دراسة حديثية نبوية؛ لمعالجة من يُصاب بهذا الداء، أو للوقاية منه قبل الإصابة، وكذا محاولة لبيان أثر هذا الغضب في نفسية الإنسان وتدخله في الأمراض العضوية، ومن ثَمَّ استيلاء هذا المرض النفسي على المُصاب به.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330177

    التحميل:

  • أسلوب خطبة الجمعة

    أسلوب خطبة الجمعة : بيان بعض الأساليب النبوية في خطبة الجمعة، مع بيان الخطوات اللازمة لإعداد خطيب المسجد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142651

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة