وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) (هود)
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِير } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { وَإِنَّ } مُشَدَّدَة { كُلًّا لَمَّا } مُشَدَّدَة . وَاخْتَلَفَتْ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَإِنَّ كُلًّا لَمَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ , وَلَكِنْ لَمَّا اِجْتَمَعَتْ الْمِيمَات حُذِفَتْ وَاحِدَة فَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ , فَأُدْغِمَتْ وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنِّي لَمَّا أُصْدِر الْأَمْر وَجْهه إِذَا هُوَ أَعْيَا بِالنَّبِيلِ مَصَادِره ثُمَّ تُخَفَّف , كَمَا قَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء : " وَالْبَغْي يَعِظكُمْ " يُخَفَّف الْيَاء مَعَ الْيَاء , وَذُكِرَ أَنَّ الْكِسَائِيّ أَنْشَدَهُ : وَأَشْمَتّ الْعُدَاة بِنَا فَأَضْحُوا لَدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقَيْنَا وَقَالَ : يُرِيد : لَدَيَّ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقَيْنَا , فَحَذَفَ " يَاء " لِحَرَكَتِهِنَّ وَاجْتِمَاعهنَّ , قَالَ : وَمِثْله : كَانَ مِنْ آخِرهَا إِلْقَادِم مَخْرِم نَجْد فَارِع الْمَخَارِم وَقَالَ : أَرَادَ إِلَى الْقَادِم , فَحَذَفَ اللَّام عِنْد اللَّام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : { وَإِنَّ كُلًّا } شَدِيدًا وَحَقًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ . قَالَ : وَإِنَّمَا يُرَاد إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : { وَإِنَّ كُلًّا لَمًّا } بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِين , وَلَكِنْ قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ مِنْهُ التَّنْوِين , فَأَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظ " فَعْلَى " لَمَّا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلنَا تَتْرَى } فَقَرَأَ " تَتْرَى " بَعْضهمْ بِالتَّنْوِينِ , كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : " لَمًّا " بِالتَّنْوِينِ , وَقَرَأَ آخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِين , كَمَا قَرَأَ { لَمَّا } بِغَيْرِ تَنْوِين مَنْ قَرَأَهُ , وَقَالُوا : أَصْله مِنْ اللَّمّ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَتَأْكُلُونَ التُّرَاث أَكْلًا لَمًّا } يَعْنِي أَكْلًا شَدِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ , كَمَا يَقُول الْقَائِل : لَقَدْ قُمْت عَنَّا , وَبِاَللَّهِ إِلَّا قُمْت عَنَّا . وَوَجَدْت عَامَّة أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْل , وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَكُون جَائِزًا تَوْجِيه " لَمَّا " إِلَى مَعْنَى " إِلَّا " فِي الْيَمِين خَاصَّة , وَقَالُوا : لَوْ جَازَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِمَعْنَى إِلَّا جَازَ أَنْ يُقَال : قَامَ الْقَوْم لَمَّا أَخَاك , بِمَعْنَى : إِلَّا أَخَاك , وَدُخُولهَا فِي كُلّ مَوْضِع صَلَحَ دُخُول إِلَّا فِيهِ . وَأَنَا أَرَى أَنَّ ذَلِكَ فَاسِد مِنْ وَجْه هُوَ أَبْيَن مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة إِنَّ فِي فَسَاده , وَهُوَ أَنَّ " إِنَّ " إِثْبَات لِلشَّيْءِ وَتَحْقِيق لَهُ , " وَإِلَّا " أَيْضًا تَحْقِيق أَيْضًا , وَإِنَّمَا تَدْخُل نَقْصًا لِجَحْدٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا فَوَاجِب أَنْ تَكُون عِنْد مُتَأَوِّلهَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ , أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الْجَحْد عِنْده , حَتَّى تَكُون إِلَّا نَقْضًا لَهَا . وَذَلِكَ إِنْ قَالَهُ قَائِل قَوْل لَا يَخْفَى جَهْل قَائِله , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَفِّف قَارِئ " إِنَّ " فَيَجْعَلهَا بِمَعْنَى " إِنْ " الَّتِي تَكُون بِمَعْنَى الْجَحْد . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَسَدَتْ قِرَاءَته ذَلِكَ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر , وَهُوَ أَنَّهُ يَصِير حِينَئِذٍ نَاصِبًا لِ " كُلّ " بِقَوْلِهِ : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ , وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ يَنْصِب مَا بَعْد " إِلَّا " مِنْ الْفِعْل الِاسْم الَّذِي قَبْلهَا , لَا تَقُول الْعَرَب : مَا زَيْدًا إِلَّا ضَرَبْت , فَيَفْسُد ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْه إِلَّا أَنْ يَرْفَع رَافِع الْكُلّ , فَيُخَالِف بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قِرَاءَة الْقُرَّاء وَخَطّ مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يَخْرُج بِذَلِكَ مِنْ الْعَيْب بِخُرُوجِهِ مِنْ مَعْرُوف كَلَام الْعَرَب . وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَإِنْ كُلًّا " بِتَخْفِيفِ " إِنَّ " وَنَصْب " كُلًّا " { لَمَّا } مُشَدَّدَة . وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ " إِنَّ " الثَّقِيلَة فَخَفَّفَهَا . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْد الْبَصْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ : كَأَنَّ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ , فَنَصَبَ ب " كَأَنَّ " , وَالنُّون مُخَفَّفَة مِنْ " كَأَنَّ " , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَوَجْه مُشْرِق النَّحْر كَأَنَّ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمَدَنِيِّينَ بِتَخْفِيفِ " إِنَّ " وَنَصْب " كُلًّا " وَتَخْفِيف " لَمَّا " . وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ قَارِئ الْكُوفَة مِنْ تَخْفِيفه نُون " إِنَّ " وَهُوَ يُرِيد تَشْدِيدهَا , وَيُرِيد بِمَا الَّتِي فِي " لَمَّا " الَّتِي تَدْخُل فِي الْكَلَام صِلَة , وَأَنْ يَكُون قَصَدَ إِلَى تَحْمِيل الْكَلَام مَعْنَى : وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ كَانَ فِي قِرَاءَته ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ أَيْ لَيُوَفِّيَنَّ كُلًّا , فَيَكُون نِيَّته فِي نَصْب " كُلّ " كَانَتْ بِقَوْلِهِ : " لَيُوَفِّيَنَّهُمْ " , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرَادَ فَفِيهِ مِنْ الْقُبْح مَا ذَكَرْت مِنْ خِلَافه كَلَام الْعَرَب , وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَنْصِب بِفِعْلٍ بَعْد لَام الْيَمِين اِسْمًا قَبْلهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " وَإِنَّ " مُشَدَّدَة " كُلًّا لَمَّا " مُخَفَّفَة { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ } وَلِهَذِهِ الْقِرَاءَة وَجْهَانِ مِنْ الْمَعْنَى : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون قَارِئُهَا أَرَادَ : وَإِنَّ كُلًّا لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ , فَيُوَجِّه " مَا " الَّتِي فِي " لَمَّا " إِلَى مَعْنَى " مَنْ " كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } وَإِنْ كَانَ أَكْثَر اِسْتِعْمَال الْعَرَب لَهَا فِي غَيْر بَنِي آدَم , وَيَنْوِي بِاللَّامِ الَّتِي فِي " لَمَّا " اللَّام الَّتِي يَتَلَقَّى بِهَا " وَإِنَّ " جَوَابًا لَهَا , وَبِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْله : { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ } لَام الْيَمِين دَخَلَتْ فِيمَا بَيْن مَا وَصِلَتهَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } وَكَمَا يُقَال هَذَا مَا لِغَيْرِهِ أَفْضَل مِنْهُ . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَجْعَل " مَا " الَّتِي فِي " لَمَّا " بِمَعْنَى " مَا " الَّتِي تَدْخُل صِلَة فِي الْكَلَام , وَاللَّام الَّتِي فِيهَا اللَّام الَّتِي يُجَاب بِهَا , وَاللَّام الَّتِي فِي : { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ } هِيَ أَيْضًا اللَّام الَّتِي يُجَاب بِهَا " إِنَّ " كُرِّرَتْ وَأُعِيدَتْ , إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعهَا , وَكَانَتْ الْأُولَى مِمَّا تُدْخِلهَا الْعَرَب فِي غَيْر مَوْضِعهَا ثُمَّ تُعِيدهَا بَعْد فِي مَوْضِعهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّة لَبَعْد لَقَدْ لَاقَيْت لَا بُدّ مَصْرَعَا وَقَرَأَ ذَلِكَ الزُّهْرِيّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ : { وَإِنَّ كُلًّا } بِتَشْدِيدِ إِنَّ وَلَمَّا بِتَنْوِينِهَا , بِمَعْنَى : شَدِيدًا وَحَقًّا وَجَمِيعًا . وَأَصَحّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مَخْرَجًا عَلَى كَلَام الْعَرَب الْمُسْتَفِيض فِيهِمْ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَإِنَّ " بِتَشْدِيدِ نُونهَا , " كُلًّا لَمَا " بِتَخْفِيفِ مَا { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك } بِمَعْنَى : وَإِنَّ كُلّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد قَصَصهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة , لِمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ بِالصَّالِحِ مِنْهَا بِالْجَزِيلِ مِنْ الثَّوَاب , وَبِالطَّالِحِ مِنْهَا بِالشَّدِيدِ مِنْ الْعِقَاب , فَتَكُون " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " وَاللَّام الَّتِي فِيهَا جَوَابًا لِأَنَّ وَاللَّام فِي قَوْله : { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ } لَام قَسَم . وَقَوْله : { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك بِمَا يَعْمَل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد , خَبِير , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ عَمَلهمْ بَلْ يُخْبِر ذَلِكَ كُلّه وَيَعْلَمهُ وَيُحِيط بِهِ حَتَّى يُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ جَزَاءَهُمْ .
