Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يونس - الآية 92

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) (يونس) mp3
أَيْ نُلْقِيك عَلَى نَجْوَة مِنْ الْأَرْض . وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يُصَدِّقُوا أَنَّ فِرْعَوْن غَرِقَ , وَقَالُوا : هُوَ أَعْظَم شَأْنًا مِنْ ذَلِكَ , فَأَلْقَاهُ اللَّه عَلَى نَجْوَة مِنْ الْأَرْض , أَيْ مَكَان مُرْتَفِع مِنْ الْبَحْر حَتَّى شَاهَدُوهُ قَالَ أَوْس بْن حَجَر يَصِف مَطَرًا : فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتِهِ وَالْمُسْتَكِين كَمَنْ يَمْشِي بِقِرْوَاحِ وَقَرَأَ الْيَزِيدِيّ وَابْن السَّمَيْقَع " نُنَحِّيك " بِالْحَاءِ مِنْ التَّنْحِيَة , وَحَكَاهَا عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود ; أَيْ تَكُون عَلَى نَاحِيَة مِنْ الْبَحْر . قَالَ اِبْن جُرَيْج : فَرُمِيَ بِهِ عَلَى سَاحِل الْبَحْر حَتَّى رَآهُ بَنُو إِسْرَائِيل , وَكَانَ قَصِيرًا أَحْمَر كَأَنَّهُ ثَوْر . وَحَكَى عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ قَرَأَ " بِنِدَائِك " مِنْ النِّدَاء . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِهِجَاءِ مُصْحَفنَا , إِذْ سَبِيله أَنْ يُكْتَب بِيَاءٍ وَكَاف بَعْد الدَّال ; لِأَنَّ الْأَلِف تَسْقُط مِنْ نِدَائِك فِي تَرْتِيب خَطّ الْمُصْحَف كَمَا سَقَطَ مِنْ الظُّلُمَات وَالسَّمَاوَات , فَإِذَا وَقَعَ بِهَا الْحَذْف اِسْتَوَى هِجَاء بَدَنك وَنِدَائِك , عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَة مَرْغُوب عَنْهَا لِشُذُوذِهَا وَخِلَافهَا مَا عَلَيْهِ عَامَّة الْمُسْلِمِينَ ; وَالْقِرَاءَة سُنَّة يَأْخُذهَا آخِر عَنْ أَوَّل , وَفِي مَعْنَاهَا نَقْص عَنْ تَأْوِيل قِرَاءَتنَا , إِذْ لَيْسَ فِيهَا لِلدِّرْعِ ذِكْر الَّذِي تَتَابَعَتْ الْآثَار بِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِخْتَلَفُوا فِي غَرَق فِرْعَوْن , وَسَأَلُوا اللَّه تَعَالَى , أَنْ يُرِيهِمْ إِيَّاهُ غَرِيقًا فَأَلْقَوْهُ عَلَى نَجْوَة مِنْ الْأَرْض بِبَدَنِهِ وَهُوَ دِرْعه الَّتِي يَلْبَسهَا فِي الْحُرُوب . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : وَكَانَتْ دِرْعه مِنْ لُؤْلُؤ مَنْظُوم . وَقِيلَ : مِنْ الذَّهَب وَكَانَ يُعْرَف بِهَا . وَقِيلَ : مِنْ حَدِيد ; قَالَهُ أَبُو صَخْر : وَالْبَدَن الدِّرْع الْقَصِيرَة . وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة لِلْأَعْشَى : وَبَيْضَاء كَالنِّهْيِ مَوْضُونَة لَهَا قَوْنَس فَوْق جَيْب الْبَدَن وَأَنْشَدَ أَيْضًا لِعَمْرِو بْن مَعْد يَكْرِب : وَمَضَى نِسَاؤُهُمْ بِكُلِّ مُفَاضَة جَدْلَاء سَابِغَة وَبِالْأَبْدَانِ وَقَالَ كَعْب بْن مَالِك : تَرَى الْأَبْدَان فِيهَا مُسْبَغَات عَلَى الْأَبْطَال وَالْيَلَب الْحَصِينَا أَرَادَ بِالْأَبْدَانِ الدُّرُوع وَالْيَلَب الدُّرُوع الْيَمَانِيَّة , كَانَتْ تُتَّخَذ مِنْ الْجُلُود يُخْرَز بَعْضهَا إِلَى بَعْض ; وَهُوَ اِسْم جِنْس , الْوَاحِد يَلَبَة . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : عَلَيْنَا الْبِيض وَالْيَلَب الْيَمَانِي وَأَسْيَاف يَقُمْنَ وَيَنْحَنِينَا وَقِيلَ " بِبَدَنِك " بِجَسَدٍ لَا رُوح فِيهِ ; قَالَهُ مُجَاهِد . قَالَ الْأَخْفَش : وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ بِدِرْعِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو بَكْر : لِأَنَّهُمْ لَمَّا ضَرِعُوا إِلَى اللَّه يَسْأَلُونَهُ مُشَاهَدَة فِرْعَوْن غَرِيقًا أَبْرَزَهُ لَهُمْ فَرَأَوْا جَسَدًا لَا رُوح فِيهِ , فَلَمَّا رَأَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيل قَالُوا نَعَمْ ! يَا مُوسَى هَذَا فِرْعَوْن وَقَدْ غَرِقَ ; فَخَرَجَ الشَّكّ مِنْ قُلُوبهمْ وَابْتَلَعَ الْبَحْر فِرْعَوْن كَمَا كَانَ . فَعَلَى هَذَا " نُنَجِّيك بِبَدَنِك " اِحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا - نُلْقِيك عَلَى نَجْوَة مِنْ الْأَرْض . وَالثَّانِي - نُظْهِر جَسَدك الَّذِي لَا رُوح فِيهِ . وَالْقِرَاءَة الشَّاذَّة " بِنِدَائِك " يَرْجِع مَعْنَاهَا إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة , لِأَنَّ النِّدَاء يُفَسَّر تَفْسِيرَيْنِ , أَحَدهمَا - نُلْقِيك بِصِيَاحِك بِكَلِمَةِ التَّوْبَة , وَقَوْلك بَعْد أَنْ أُغْلِقَ بَابهَا وَمَضَى وَقْت قَبُولهَا : " آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ " [ يُونُس : 90 ] عَلَى مَوْضِع رَفِيع . وَالْآخَر - فَالْيَوْم نَعْزِلك عَنْ غَامِض الْبَحْر بِنِدَائِك لِمَا قُلْت أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى ; فَكَانَتْ تَنْجِيَته بِالْبَدَنِ مُعَاقَبَة مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ لَهُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْ كُفْره الَّذِي مِنْهُ نِدَاؤُهُ الَّذِي اِفْتَرَى فِيهِ وَبَهَتَ , وَادَّعَى الْقُدْرَة وَالْأَمْر الَّذِي يُعْلَم أَنَّهُ كَاذِب فِيهِ وَعَاجِز عَنْهُ وَغَيْر مُسْتَحِقّ لَهُ . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : فَقِرَاءَتنَا تَتَضَمَّن مَا فِي الْقِرَاءَة الشَّاذَّة مِنْ الْمَعَانِي وَتَزِيد عَلَيْهَا .



أَيْ لِبَنِي إِسْرَائِيل وَلِمَنْ بَقِيَ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكهُ الْغَرَق وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَيْهِ هَذَا الْخَبَر .


أَيْ مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّل آيَاتنَا وَالتَّفَكُّر فِيهَا . وَقُرِئَ " لِمَنْ خَلَفَك " ( بِفَتْحِ اللَّام ) ; أَيْ لِمَنْ بَقِيَ بَعْدك يَخْلُفك فِي أَرْضك . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب " لِمَنْ خَلَقَك " بِالْقَافِ ; أَيْ تَكُون آيَة لِخَالِقِك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسنة

    نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «نور الهدى وظلمات الضلالة»، بيّنت فيها بإيجاز نور الإسلام، والإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والسُّنّة، والتقوى، كما بيّنت ظلمات الكفر، والشرك، والنفاق، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة، والبدعة والمعاصي، وكل ذلك مقروناً بالأدلة من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193644

    التحميل:

  • حقوق كبار السن في الإسلام

    حقوق كبار السن في الإسلام: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فإن الناسَ يحتاجون حاجةً ماسَّةً إلى التذكيرِ بحقوق الله - جل وعلا -، وحقوق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحقوق الوالِدين، وحقوق الأقارب والجيران، وحقوق كبار السن ... إلى غير ذلك من الحقوق. والتذكيرُ بهذه الحقوق بوابةٌ للخير وطريقٌ للصلاحِ والفلاحِ، فالمُسلمُ إذا ذُكّر تذكَّر، وإذا دُلَّ على الخير اهتدَى».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381126

    التحميل:

  • بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة

    بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية : كتيب مختصر قال عنه مصنفه في مقدمته « ... ومما لا يخفى، أن جانب العقيدة الإسلامية هو الأساس الذي إذا صلح؛ صلح عمل العبد، وإذا فسد؛ فسد ما انبنى عليه، وبإلقاء نظرة على واقع المسلمين اليوم؛ نجد أن المخالفات العقائدية منتشرة فيهم انتشار النار في الهشيم، مما دعاني إلى التفكير جدياً في اختيار هذا الموضوع، وبعد التفكير الطويل، استقر رأيي على ذلك، مما لاحظته في بعض البلاد الإسلامية، من الانحرافات الكثيرة في العقيدة، فاخترت بعضاً منها، مستعيناً بالله ثم بمن يمكن أن يقدم إلي نصحاً، و عنوان البحث (بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة) ..».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63381

    التحميل:

  • من أضرار الخمور والمسكرات والمخدرات والدخان والقات والتنباك

    رسالة مختصَرة في أضرار المُسْكِرات والمُخَدِّرات؛ كالخمر، والدُّخَان، والْقَات، والحبوب المُخَدِّرة الضارَّة بالبَدَن، والصِّحَّة، والعقل، والمال، وهي مُستَفادَة مِن كلام الله - تعالى - وكلامِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلامِ العلماء المُحَقِّقِين والأطبَّاءِ المُعْتَبَرِين.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335008

    التحميل:

  • اعتقاد أئمة الحديث

    اعتقاد أئمة الحديث : هذا أصل الدين والمذهب، اعتقاد أئمة أهل الحديث، الذين لم تشنهم بدعة، ولم تلبسهم فتنة، ولم يخفوا إلى مكروه في دين، ولا تفرقوا عنه.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144866

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة