Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يونس - الآية 88

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) (يونس) mp3
" آتَيْت " أَيْ أَعْطَيْت .


أَيْ مَال الدُّنْيَا , وَكَانَ لَهُمْ مِنْ فُسْطَاط مِصْر إِلَى أَرْض الْحَبَشَة جِبَال فِيهَا مَعَادِن الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالزَّبَرْجَد وَالزُّمُرُّد وَالْيَاقُوت .


اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّام , وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِيهَا - وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ - أَنَّهَا لَام الْعَاقِبَة وَالصَّيْرُورَة ; وَفِي الْخَبَر ( إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكًا يُنَادِي كُلّ يَوْم لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ) . أَيْ لَمَّا كَانَ عَاقِبَة أَمْرهمْ إِلَى الضَّلَال صَارَ كَأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ لِيُضِلُّوا . وَقِيلَ : هِيَ لَام كَيْ أَيْ أَعْطَيْتهمْ لِكَيْ يَضِلُّوا وَيَبْطَرُوا وَيَتَكَبَّرُوا . وَقِيلَ : هِيَ لَام أَجْل , أَيْ أَعْطَيْتهمْ لِأَجْلِ إِعْرَاضهمْ عَنْك فَلَمْ يَخَافُوا أَنْ تُعْرِض عَنْهُمْ . وَزَعَمَ قَوْم أَنَّ الْمَعْنَى : أَعْطَيْتهمْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِلُّوا , فَحُذِفَتْ لَا كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ( يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) . وَالْمَعْنَى : لِأَنْ لَا تَضِلُّوا . قَالَ النَّحَّاس : ظَاهِر هَذَا الْجَوَاب حَسَن , إِلَّا أَنَّ الْعَرَب لَا تَحْذِف " لَا " إِلَّا مَعَ أَنْ ; فَمَوَّهَ صَاحِب هَذَا الْجَوَاب بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " أَنْ تَضِلُّوا " . وَقِيلَ : اللَّام لِلدُّعَاءِ , أَيْ اِبْتَلِهِمْ بِالضَّلَالِ عَنْ سَبِيلك ; لِأَنَّ بَعْده : " اِطْمِسْ عَلَى أَمْوَالهمْ وَاشْدُدْ " . وَقِيلَ : الْفِعْل مَعْنَى الْمَصْدَر أَيْ إِضْلَالهمْ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ " قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ : " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الْيَاء مِنْ الْإِضْلَال , وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ .


أَيْ عَاقِبْهُمْ عَلَى كُفْرهمْ بِإِهْلَاكِ أَمْوَالهمْ . قَالَ الزَّجَّاج : طَمْس الشَّيْء إِذْهَابه عَنْ صُورَته . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن كَعْب : صَارَتْ أَمْوَالهمْ وَدَرَاهِمهمْ حِجَارَة مَنْقُوشَة كَهَيْئَتِهَا صِحَاحًا وَأَثْلَاثًا وَأَنْصَافًا , وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَعْدِن إِلَّا طَمَسَ اللَّه عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَفِع بِهِ أَحَد بَعْد . وَقَالَ قَتَادَة : بَلَغَنَا أَنَّ أَمْوَالهمْ وَزُرُوعهمْ صَارَتْ حِجَارَة . وَقَالَ مُجَاهِد وَعَطِيَّة : أَهْلَكَهَا حَتَّى لَا تُرَى ; يُقَال : عَيْن مَطْمُوسَة , وَطُمِسَ الْمَوْضِع إِذَا عَفَا وَدَرَسَ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : صَارَتْ دَنَانِيرهمْ وَدَرَاهِمهمْ وَفُرُشهمْ وَكُلّ شَيْء لَهُمْ حِجَارَة . مُحَمَّد بْن كَعْب : وَكَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ يَكُون مَعَ أَهْله فِي فِرَاشه وَقَدْ صَارَا حَجَرَيْنِ ; قَالَ : وَسَأَلَنِي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا بِخَرِيطَةٍ أُصِيبَتْ بِمِصْرَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْفَوَاكِه وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَإِنَّهَا لَحِجَارَة . وَقَالَ السُّدِّيّ : وَكَانَتْ إِحْدَى الْآيَات التِّسْع .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ اِمْنَعْهُمْ الْإِيمَان . وَقِيلَ : قَسِّهَا وَاطْبَعْ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَنْشَرِج لِلْإِيمَانِ ; وَالْمَعْنَى وَاحِد . " فَلَا يُؤْمِنُوا " قِيلَ : هُوَ عَطْف عَلَى قَوْله : " لِيَضِلُّوا " أَيْ آتَيْتهمْ النِّعَم لِيَضِلُّوا وَلَا يُؤْمِنُوا ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَالْمُبَرِّد . وَعَلَى هَذَا لَا يَكُون فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاء شَيْء . وَقَوْله : ( رَبّنَا اِطْمِسْ , وَاشْدُدْ ) كَلَام مُعْتَرِض . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة : هُوَ دُعَاء , فَهُوَ فِي مَوْضِع جَزْم عِنْدهمْ ; أَيْ اللَّهُمَّ فَلَا يُؤْمِنُوا , أَيْ فَلَا آمَنُوا . وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : فَلَا يَنْبَسِط مِنْ بَيْن عَيْنَيْك مَا اِنْزَوَى وَلَا تَلْقَنِي إِلَّا وَأَنْفك رَاغِم أَيْ لَا اِنْبَسَطَ . وَمَنْ قَالَ " لِيَضِلُّوا " دُعَاء - أَيْ اِبْتَلِهِمْ بِالضَّلَالِ - قَالَ : عَطَفَ عَلَيْهِ " فَلَا يُؤْمِنُوا " . وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع نَصْب لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر ; أَيْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبهمْ فَلَا يُؤْمِنُوا . وَهَذَا قَوْل الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء أَيْضًا , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : يَا نَاقَ ! سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا إِلَى سُلَيْمَان فَنَسْتَرِيحَا فَعَلَى هَذَا حُذِفَتْ النُّون لِأَنَّهُ مَنْصُوب .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ الْغَرَق . وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض النَّاس هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : كَيْفَ دَعَا عَلَيْهِمْ وَحُكْم الرُّسُل اِسْتِدْعَاء إِيمَان قَوْمهمْ ; فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَدْعُو نَبِيّ عَلَى قَوْمه إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ اللَّه , وَإِعْلَام أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُؤْمِن وَلَا يَخْرُج مِنْ أَصْلَابهمْ مَنْ يُؤْمِن ; دَلِيله قَوْله لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَام : " إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِن مِنْ قَوْمك إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ " [ هُود : 36 ] وَعِنْد ذَلِكَ قَالَ : " رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا " الْآيَة [ نُوح : 26 ] . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المسافر بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر .. ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1925

    التحميل:

  • لمحات من: محاسن الإسلام

    من وسائل الدعوة إلى هذا الدين تبيين محاسنه الكثيرة الدنيوية والأخروية والتي قد تخفى على كثيرين حتى من معتنقيه وهذا – بإذن الله – يؤدي إلى دخول غير المسلمين فيه، وإلى تمسك المسلم واعتزازه بدينه، وفي هذه الرسالة بيان لبعض محاسن الإسلام، كان أصلها حلقات أسبوعية أذيعت في إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية - حرسها الله بالإسلام -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66723

    التحميل:

  • التطاول على النبي صلى الله عليه وسلم وواجبات الأمة [ أوراق عمل مؤتمر رحمة للعالمين ]

    كان المؤتمر بعنوان: رحمة للعالمين، تحت شعار: حتى تكون النصرة نهج الحياة. ولقد أعلن القائمون على المؤتمر عدة أهداف من إقامتهم إيّاه، من أهمها:- 1- تأكيد وجوب إجلال ثوابت الشريعة وتعظيم حرماتها. 2- بيان أسباب التطاول على النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفياته ودواعيه.3- استثمار ردود الأفعال الصادرة من حوادث الإساءة في سبيل إحياء الاتِّباع للنبي - صلى الله عليه وسلم -. 4 - الإشادة بالجهود المبذولة في النصرة، وتحليل نتائجها وآثارها على الأقليات الإسلامية. 5- ترسيخ ثقافة العمل الدعوي المنهجي المستمر، بدلاً من أسلوب ردود الأفعال العشوائية. ويضم هذا الكتاب أوراق العمل التي وصلت مكتوبة إلى اللجنة العلمية للمؤتمر.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168875

    التحميل:

  • مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن

    مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن: قال المؤلف - حفظه الله -: «فقد جمعت ما سُئلت عنه سابقًا في مشروعية الأضحية عن الحي والميت، وفي صلاة التراويح ثلاثًا وعشرين ركعة، وفي بيان استحباب دعاء ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح».

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341900

    التحميل:

  • عذرًا رسول الله صلى الله عليه وسلم

    عذرًا رسول الله صلى الله عليه وسلم: رسالة مختصرة في الرد على الهجمة الشرسة ضد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد بيَّن فيها المؤلف شيئًا من جوانب العظمة في سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام -، وبعض النماذج المشرقة من دفاع الصحابة - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/354329

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة