Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يونس - الآية 71

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ (71) (يونس) mp3
أَمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُذَكِّرهُمْ أَقَاصِيص الْمُتَقَدِّمِينَ , وَيُخَوِّفهُمْ الْعَذَاب الْأَلِيم عَلَى كُفْرهمْ . وَحُذِفَتْ الْوَاو مِنْ " اُتْلُ " لِأَنَّهُ أَمْر ; أَيْ اِقْرَأْ عَلَيْهِمْ خَبَر نُوح .


" إِذْ " فِي مَوْضِع نَصْب .


أَيْ عَظُمَ وَثَقُلَ عَلَيْكُمْ .


الْمَقَام ( بِفَتْحِ الْمِيم ) : الْمَوْضِع الَّذِي يَقُوم فِيهِ . وَالْمُقَام ( بِالضَّمِّ ) الْإِقَامَة . وَلَمْ يُقْرَأ بِهِ فِيمَا عَلِمْت ; أَيْ إِنْ طَالَ عَلَيْكُمْ لُبْثِي فِيكُمْ .


وَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي وَطَرْدِي إِيَّاكُمْ , وَتَخْوِيفِي لَكُمْ .


أَيْ اِعْتَمَدْت . وَهَذَا هُوَ جَوَاب الشَّرْط , وَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ السَّلَام مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّه فِي كُلّ حَال ; وَلَكِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ مُتَوَكِّل فِي هَذَا عَلَى الْخُصُوص لِيَعْرِف قَوْمه أَنَّ اللَّه يَكْفِيه أَمْرهمْ ; أَيْ إِنْ لَمْ تَنْصُرُونِي فَإِنِّي أَتَوَكَّل عَلَى مَنْ يَنْصُرنِي .



قِرَاءَة الْعَامَّة " فَأَجْمِعُوا " بِقَطْعِ الْأَلِف " شُرَكَاءَكُمْ " بِالنَّصْبِ . وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ " فَاجْمَعُوا " بِوَصْلِ الْأَلِف وَفَتْح الْمِيم ; مِنْ جَمَعَ يَجْمَع . " شُرَكَاءَكُمْ " بِالنَّصْبِ . وَقَرَأَ الْحَسَن وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب " فَأَجْمِعُوا " بِقَطْعِ الْأَلِف " شُرَكَاؤُكُمْ " بِالرَّفْعِ . فَأَمَّا الْقِرَاءَة الْأُولَى مِنْ أَجْمَعَ عَلَى الشَّيْء إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَجْمَعَ الشَّيْء أَعَدَّهُ . وَقَالَ الْمُؤَرِّج : أَجْمَعْت الْأَمْر أَفْصَح مَنْ أَجْمَعْت عَلَيْهِ . وَأَنْشَدَ : يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَع هَلْ أَغْدُوَن يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَع قَالَ النَّحَّاس : وَفِي نَصْب الشُّرَكَاء عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة ثَلَاثَة أَوْجُه ; قَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : هُوَ بِمَعْنَى وَادْعُو شُرَكَاءَكُمْ لِنُصْرَتِكُمْ ; وَهُوَ مَنْصُوب عِنْدهمَا عَلَى إِضْمَار هَذَا الْفِعْل . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْمَعْنَى ; كَمَا قَالَ : رَأَيْت زَوْجك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا وَالرُّمْح لَا يُتَقَلَّد , إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُول كَالسَّيْفِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْمَعْنَى مَعَ شُرَكَائِكُمْ عَلَى تَنَاصُركُمْ ; كَمَا يُقَال : اِلْتَقَى الْمَاء وَالْخَشَبَة . وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة مِنْ الْجَمْع , اِعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَجَمَعَ كَيْده ثُمَّ أَتَى " [ طَه : 60 ] . قَالَ أَبُو مُعَاذ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمَعَ وَأَجْمَعَ بِمَعْنًى وَاحِد , " وَشُرَكَاءَكُمْ " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة عَطْف عَلَى " أَمْركُمْ " , أَوْ عَلَى مَعْنَى فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ وَأَجْمِعُوا شُرَكَاءَكُمْ , وَإِنْ شِئْت بِمَعْنَى مَعَ , قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَسَمِعْت أَبَا إِسْحَاق يُجِيز قَامَ زَيْد وَعَمْرًا . وَالْقِرَاءَة الثَّالِثَة عَلَى أَنْ يَعْطِف الشُّرَكَاء عَلَى الْمُضْمَر الْمَرْفُوع فِي أَجْمِعُوا , وَحَسُنَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَام قَدْ طَالَ . قَالَ النَّحَّاس وَغَيْره : وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تُبْعَد ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَوَجَبَ أَنْ تُكْتَب بِالْوَاوِ , وَلَمْ يُرَ فِي الْمَصَاحِف وَاو فِي قَوْله " وَشُرَكَاءَكُمْ " , وَأَيْضًا فَإِنَّ شُرَكَاءَهُمْ الْأَصْنَام , وَالْأَصْنَام لَا تَصْنَع شَيْئًا وَلَا فِعْل لَهَا حَتَّى تُجْمَع . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَرْتَفِع الشُّرَكَاء بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف , أَيْ وَشُرَكَاءَكُمْ لِيُجْمِعُوا أَمْرهمْ , وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الشُّرَكَاء وَهِيَ لَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر وَلَا تُمَيِّز عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ لِمَنْ عَبَدَهَا .



اِسْم يَكُنْ وَخَبَرهَا . وَغُمَّة وَغَمّ سَوَاء , وَمَعْنَاهُ التَّغْطِيَة ; مِنْ قَوْلهمْ : غُمَّ الْهِلَال إِذَا اِسْتَتَرَ ; أَيْ لِيَكُنْ أَمْركُمْ ظَاهِرًا مُنْكَشِفًا تَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِمَّا شِئْتُمْ ; لَا كَمَنْ يَخْفَى أَمْره فَلَا يَقْدِر عَلَى مَا يُرِيد . قَالَ طَرَفَة : لَعَمْرك مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّة نَهَارِي وَلَا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ الزَّجَّاج : غُمَّة ذَا غَمّ , وَالْغَمّ وَالْغُمَّة كَالْكَرْبِ وَالْكُرْبَة . وَقِيلَ : إِنَّ الْغُمَّة ضِيق الْأَمْر الَّذِي يُوجِب الْغَمّ فَلَا يَتَبَيَّن صَاحِبه لِأَمْرِهِ مَصْدَرًا لِيَنْفَرِج عَنْهُ مَا يَغُمّهُ . وَفِي الصِّحَاح : وَالْغُمَّة الْكُرْبَة . قَالَ الْعَجَّاج : بَلْ لَوْ شَهِدْت النَّاس إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّج غُمُّوا يُقَال : أَمْر غُمَّة , أَيْ مُبْهَم مُلْتَبِس ; قَالَ تَعَالَى : " ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة " . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : مَجَازهَا ظُلْمَة وَضِيق . وَالْغُمَّة أَيْضًا : قَعْر النِّحْي وَغَيْره . قَالَ غَيْره : وَأَصْل هَذَا كُلّه مُشْتَقّ مِنْ الْغَمَامَة .



أَلِف " اِقْضُوا " أَلِف وَصْل , مِنْ قَضَى يَقْضِي . قَالَ الْأَخْفَش وَالْكِسَائِيّ : وَهُوَ مِثْل : " وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْر " [ الْحِجْر : 66 ] أَيْ أَنْهَيْنَاهُ إِلَيْهِ وَأَبْلَغْنَاهُ إِيَّاهُ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس " ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونَ " قَالَ : اِمْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُؤَخِّرُونَ . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا قَوْل صَحِيح فِي اللُّغَة ; وَمِنْهُ : قَضَى الْمَيِّت أَيْ مَضَى . وَأَعْلَمَهُمْ بِهَذَا أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ , وَهَذَا مِنْ دَلَائِل النُّبُوَّات . وَحَكَى الْفَرَّاء عَنْ بَعْض الْقُرَّاء " ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ " بِالْفَاءِ وَقَطْع الْأَلِف , أَيْ تَوَجَّهُوا ; يُقَال : أَفْضَتْ الْخِلَافَة إِلَى فُلَان , وَأَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَع . وَهَذَا إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نَبِيّه نُوح عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ كَانَ بِنَصْرِ اللَّه وَاثِقًا , وَمِنْ كَيْدهمْ غَيْر خَائِف ; عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُمْ وَآلِهَتهمْ لَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ . وَهُوَ تَعْزِيَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْوِيَة لِقَلْبِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر

    الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر والكشف عن علل القراءات وتوجيهها: شرحٌ مُفيد لهذا المتن الماتع الفريد في بابه؛ إذ لم يشرح هذا المتن إلا نجل المؤلِّف ابن الجزري - رحمه الله - شرحًا مُوجزًا لا يفِي بالمقصود.

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385230

    التحميل:

  • الملتقط من كتاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للإمام أحمد بن حنبل

    طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم : هذه الرسالة صنفها إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - ولما كانت هذه الرِّسالة قد فُقد أصلها إلا أنّ الله حفظها فيما نقله الأئمة متفرِّقًا منها، ولذا قام فضيلة الدكتور: عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله السدحان - وفقه الله - بجمع ما تفرَّق من هذه الرسالة في أمهات كتب الأئمة، فصارت - ولله الحمد - ماثلةً بين أيدي طلبة العلم، والحاجة ماسَّة إليها في هذا الزمان الذي كثُر فيه التعالم. - قدم لها: فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233547

    التحميل:

  • من مدرسة الحج

    من مدرسة الحج: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مجموعٌ يحوي ثلاث رسائل تتعلَّق بالحج، تختصُّ بجانب الدروس المُستفادة منه، والعِبَر التي تُنهَل من مَعينه .. وقد طُبِعَت مفردةً غير مرَّة، وتُرجِمَت إلى عددٍ من اللغات - بمنِّ الله وفضله -، وقد رأيتُ لمَّها في هذا المجموع، ورتَّبتُها فيه حسب الأسبقية في تأليفها ونشرها، وهي: 1- دروسٌ عقيدة مُستفادة من الحج. 2- الحج وتهذيب النفوس. 3- خطب ومواعظ من حجة الوداع. وكل رسالةٍ من هذه الرسائل الثلاث تشتمل على ثلاثة عشر درسًا، لكل درسٍ منها عنوانٌ مُستقل، يمكن الاستفادة منها بقرائتها على الحُجَّاج على شكل دروسٍ يومية».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344681

    التحميل:

  • البينة العلمية في القرآن

    البينة العلمية في القرآن: رسالة مختصرة تُبيِّن عظمة القرآن الكريم وفضله، وبيان أنه أعظم معجزة لخير الرسل محمد - عليه الصلاة والسلام -، مع إظهار شيءٍ مما ورد فيه من آياتٍ بيِّناتٍ تدل على إعجازه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339049

    التحميل:

  • التوحيد أولا يا دعاة الإسلام

    التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام : رسالة عظيمة النفع والفائدة للعامة والخاصة؛ يُجيب فيها عالم من علماء هذا العصر وهو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى -، على سؤال يدور على ألسنة الغيورين على هذا الدين الذي يحملونه في قلوبهم ويشغلون فكرهم به ليلًا ونهارًا ومجمل السؤال هو: ما هو السبيل إلى النهوض بالمسلمين وما هو الطريق الذي يتخذونه حتى يمكن الله لهم ويضعهم في المكان اللائق بهم بين الأمم؟ فأجاب - رحمه الله - على هذا السؤال إجابة مفصلة واضحة. ولما لهذه الإجابة من حاجة، رأينا نشرها. فأسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يهدي المسلمين إلى ما يحب ويرضى؛ إنه جواد كريم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117122

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة