Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة يونس - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) (يونس) mp3
قِيلَ : مَعْنَاهُ وَلَوْ عَجَّلَ اللَّه لِلنَّاسِ الْعُقُوبَة كَمَا يَسْتَعْجِلُونَ الثَّوَاب وَالْخَيْر لَمَاتُوا , لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الدُّنْيَا خَلْقًا ضَعِيفًا , وَلَيْسَ هُمْ كَذَا يَوْم الْقِيَامَة ; لِأَنَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة يُخْلَقُونَ لِلْبَقَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ فَعَلَ اللَّه مَعَ النَّاس فِي إِجَابَته إِلَى الْمَكْرُوه مِثْل مَا يُرِيدُونَ فِعْله مَعَهُمْ فِي إِجَابَته إِلَى الْخَيْر لَأَهْلَكَهُمْ ; وَهُوَ مَعْنَى " لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ " . وَقِيلَ : إِنَّهُ خَاصّ بِالْكَافِرِ ; أَيْ وَلَوْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِ الْعَذَاب عَلَى كُفْره كَمَا عَجَّلَ لَهُ خَيْر الدُّنْيَا مِنْ الْمَال وَالْوَلَد لَعَجَّلَ لَهُ قَضَاء أَجَله لِيَتَعَجَّل عَذَاب الْآخِرَة ; قَالَ اِبْن إِسْحَاق . مُقَاتِل : هُوَ قَوْل النَّضْر بْن الْحَارِث : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء ; فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ هَذَا لَهَلَكُوا . وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الرَّجُل يَدْعُو عَلَى نَفْسه أَوْ مَاله أَوْ وَلَده إِذَا غَضِبَ : اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُ , اللَّهُمَّ لَا تُبَارِك لَهُ فِيهِ وَالْعَنْهُ , أَوْ نَحْو هَذَا ; فَلَوْ اُسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يُسْتَجَاب الْخَيْر لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ . فَالْآيَة نَزَلَتْ ذَامَّة لِخُلُقٍ ذَمِيم هُوَ فِي بَعْض النَّاس يَدْعُونَ فِي الْخَيْر فَيُرِيدُونَ تَعْجِيل الْإِجَابَة ثُمَّ يَحْمِلهُمْ أَحْيَانًا سُوء الْخُلُق عَلَى الدُّعَاء فِي الشَّرّ ; فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ لَهَلَكُوا .

وَاخْتُلِفَ فِي إِجَابَة هَذَا الدُّعَاء ; فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنِّي سَأَلْت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَسْتَجِيب دُعَاء حَبِيب عَلَى حَبِيبه ) . وَقَالَ شَهْر بْن حَوْشَب : قَرَأْت فِي بَعْض الْكُتُب أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْعَبْدِ : لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِي فِي حَال ضَجَره شَيْئًا ; لُطْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ . قَالَ بَعْضهمْ : وَقَدْ يُسْتَجَاب ذَلِكَ الدُّعَاء , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِر الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه آخِر الْكِتَاب , قَالَ جَابِر : سِرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة بَطْن بُوَاط وَهُوَ يَطْلُب الْمَجْدِيّ بْن عَمْرو الْجُهَنِيّ وَكَانَ النَّاضِح يَعْتَقِبهُ مِنَّا الْخَمْسَة وَالسِّتَّة وَالسَّبْعَة , فَدَارَتْ عُقْبَة رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَلَى نَاضِح لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَ , ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْض التَّلَدُّن ; فَقَالَ لَهُ : شَأْ ; لَعَنَك اللَّه ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ هَذَا اللَّاعِن بَعِيره ) ؟ قَالَ : أَنَا يَا رَسُول اللَّه ; قَالَ : ( اِنْزِلْ عَنْهُ فَلَا تَصْحَبنَا بِمَلْعُونٍ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّه سَاعَة يُسْأَل فِيهَا عَطَاء فَيَسْتَجِيب لَكُمْ ) . فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَر فَلَعَنَ رَجُل نَاقَته فَقَالَ : ( أَيْنَ الَّذِي لَعَنَ نَاقَته ) ؟ فَقَالَ الرَّجُل : أَنَا هَذَا يَا رَسُول اللَّه ; فَقَالَ : ( أَخِّرْهَا عَنْك فَقَدْ أُجِبْت فِيهَا ) ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيّ فِي مِنْهَاج الدِّين . " شَأْ " يُرْوَى بِالسِّينِ وَالشِّين , وَهُوَ زَجْر لِلْبَعِيرِ بِمَعْنَى سِرْ .

قَوْله تَعَالَى : " وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه " قَالَ الْعُلَمَاء : التَّعْجِيل مِنْ اللَّه , وَالِاسْتِعْجَال مِنْ الْعَبْد . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُمَا مِنْ اللَّه ; وَفِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ تَعْجِيلًا مِثْل اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ , ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وَأَقَامَ صِفَته مَقَامه , ثُمَّ حَذَفَ صِفَته وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه ; هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ . وَعَلَى قَوْل الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء كَاسْتِعْجَالِهِمْ , ثُمَّ حَذَفَ الْكَاف وَنَصَبَ . قَالَ الْفَرَّاء : كَمَا تَقُول ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبك , أَيْ كَضَرْبِك . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ " . وَهِيَ قِرَاءَة حَسَنَة ; لِأَنَّهُ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ " .



أَيْ لَا يُعَجِّل لَهُمْ الشَّرّ فَرُبَّمَا يَتُوب مِنْهُمْ تَائِب , أَوْ يَخْرُج مِنْ أَصْلَابهمْ مُؤْمِن .


أَيْ يَتَحَيَّرُونَ . وَالطُّغْيَان : الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة أَهْل مَكَّة , وَإِنَّهَا نَزَلَتْ حِين قَالُوا : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك " [ الْأَنْفَال : 32 ] الْآيَة , عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التفسير الفقهي في القيروان حتى القرن الخامس الهجري

    التفسير الفقهي في القيروان حتى القرن الخامس الهجري: رسالة مختصرة عن نوعٍ من أنواع التفسير في القيروان حتى القرن الخامس الهجري، وقد عرضَ المؤلف - حفظه الله - لوقت نشأة التفسير ومدارسه، وذكر أهم المؤلفات في هذا النوع من التفسير.

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364165

    التحميل:

  • المختار في أصول السنة

    المختار في أصول السنة: فقد كان لأئمة السنة وعلماء الأمة جهود كثيرة وأنشطة كبيرة في سبيل نشر العقيدة وتثبيتها وتصحيحها، والذبِّ عنها وإبطال كل ما يُخالفها ويضادُّها من أقوالٍ كاسِدة، وآراء فاسدة، وانحرافاتٍ بعيدةٍ باطلة. وهذا الكتاب «المختار في أصول السنة» هو عقدٌ في ذلك النظم المبارك، ولبنةٌ في هذا البناء المشيد، ألَّفه الإمام أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا الحنبلي البغدادي المتوفى سنة 471 هـ - رحمه الله تعالى -، أكثره تلخيص لكتاب الشريعة للآجري، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري، وكتاب تأويل مشكل الحديث لابن قتيبة، مع إضافاتٍ علميةٍ وفوائد مهمة، يذكرها المؤلف - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348309

    التحميل:

  • التعليقات السنية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2568

    التحميل:

  • تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر

    تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر: بيَّن المؤلف في هذا الكتاب عِظَم قدر هذه السورة؛ حيث إنها تسمى سورة التوديع؛ لأنها نزلت آخر سور القرآن، وكانت إنباءً بقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ نزولها والنبي - صلى الله يُكثِر من الاستغفار امتثالاً لأمر ربه - جل وعلا -، لذا وجبت العناية بها وتدبر معانيها وكلام أهل العلم في تفسيرها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314993

    التحميل:

  • المناهل الحسان في دروس رمضان

    المناهل الحسان في دروس رمضان: قال المؤلف - رحمه الله -: « فبما أن صيام شهر رمضان، الذي هو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام فريضة مُحكمة، كتبها الله على المسلمين كما كتبها على الذين من قبلهم من الأمم السابقة، والأجيال الغابرة تحقيقاً لمصالحهم وتهذيباً لنفوسهم لينالوا من ثمرة التقوى ما يكون سبباً للفوز برضا ربهم، وحلول دار المقامة. وحيث أني أرى أن الناس في حاجة إلى تبيين أحكام الصيام، والزكاة، وصدقة الفطر، وصدقة التطوع، وقيام رمضان، وأنهم في حاجة إلى ذكر طرف من آداب تلاوة القرآن ودروسه، والحث على قراءته، وأحكام المساجد، والاعتكاف، فقد جمعت من كُتب الحديث والفقه ما رأيت أنه تتناسب قراءته مع عموم الناس، يفهمه الكبير والصغير، وأن يكون جامعاً لكثيرٍ من أحكام ما ذُكر، ووافياً بالمقصود، وقد اعتنيت حسب قدرتي ومعرفتي بنقل الحكم والدليل أو التعليل أو كليهما وسميته: "المناهل الحسان في دروس رمضان ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2583

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة