Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الفاتحة - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) (الفاتحة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَلِك } قَالَ أَبُو جَعْفَر : الْقُرَّاء مُخْتَلِفُونَ فِي تِلَاوَة " مَلِك يَوْم الدِّين " , فَبَعْضهمْ يَتْلُوهُ : " مَلِكِ يَوْم الدِّين " , وَبَعْضهمْ يَتْلُوهُ : { مَالِكِ يَوْم الدِّين } وَبَعْضهمْ يَتْلُوهُ : { مَالِكَ يَوْم الدِّين } بِنَصْبِ الْكَاف. وَقَدْ اِسْتَقْصَيْنَا حِكَايَة الرِّوَايَة عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة فِي " كِتَاب الْقِرَاءَات " , وَأَخْبَرْنَا بِاَلَّذِي نَخْتَار مِنْ الْقِرَاءَة فِيهِ , وَالْعِلَّة الْمُوجِبَة صِحَّة مَا اِخْتَرْنَا مِنْ الْقِرَاءَة فِيهِ , فَكَرِهْنَا إِعَادَة ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِذْ كَانَ الَّذِي قَصَدَنَا لَهُ فِي كِتَابنَا هَذَا الْبَيَان عَنْ وُجُوه تَأْوِيل آيِ الْقُرْآن دُون وُجُوه قِرَاءَتهَا . وَلَا خِلَاف بَيْن جَمِيع أَهْل الْمَعْرِفَة بِلُغَاتِ الْعَرَب , أَنَّ الْمَلِكَ مِنْ " الْمُلْك " مُشْتَقّ , وَأَنَّ الْمَالِك مِنْ " الْمِلْك " مَأْخُوذ . فَتَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { مَالِك يَوْم الدِّين } أَنَّ لِلَّهِ الْمُلْكَ يَوْم الدِّين خَالِصًا دُون جَمِيع خَلْقه الَّذِينَ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مُلُوكًا جَبَابِرَة يُنَازِعُونَهُ الْمُلْك وَيُدَافِعُونَ الِانْفِرَاد بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَة وَالسُّلْطَان وَالْجَبْرِيَّة . فَأَيْقَنُوا بِلِقَاءِ اللَّه يَوْم الدِّين أَنَّهُمْ الصَّغَرَة الْأَذِلَّة , وَأَنَّ لَهُ دُونهمْ وَدُون غَيْرهمْ الْمُلْك وَالْكِبْرِيَاء وَالْعِزَّة وَالْبَهَاء , كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ فِي تَنْزِيله : { يَوْم هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّه مِنْهُمْ شَيْء لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار } 40 16 فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِد يَوْمَئِذٍ بِالْمُلْكِ دُون مُلُوك الدُّنْيَا الَّذِينَ صَارُوا يَوْم الدِّين مِنْ مُلْكهمْ إِلَى ذِلَّة وَصَغَار , وَمِنْ دُنْيَاهُمْ فِي الْمَعَاد إِلَى خَسَار. وَأَمَّا تَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { مَالِك يَوْم الدِّين } فَمَا : 139 -حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : { مَالِك يَوْم الدِّين } يَقُول : لَا يَمْلِك أَحَد فِي ذَلِكَ الْيَوْم مَعَهُ حُكْمًا كَمُلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا . ثُمَّ قَالَ : { لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابًا } 20 108 وَقَالَ : { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات لِلرَّحْمَنِ } 78 38 , وَقَالَ : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } 21 28 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ وَأَصَحّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي التِّلَاوَة عِنْدِي التَّأْوِيل الْأَوَّل وَهِيَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " مَلِك " بِمَعْنَى " الْمُلْك " ; لِأَنَّ فِي الْإِقْرَار لَهُ بِالِانْفِرَادِ بِالْمُلْكِ إِيجَابًا لِانْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ وَفَضِيلَة زِيَادَة الْمُلْك عَلَى الْمَالِك , إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لَا مَلِك إِلَّا وَهُوَ مَالِك , وَقَدْ يَكُون الْمَالِك لَا مَلِكًا . وَبَعْد : فَإِنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عِبَاده فِي الْآيَة الَّتِي قَبْل قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين } أَنَّهُ مَالِك جَمِيع الْعَالَمِينَ وَسَيِّدهمْ , وَمُصْلِحهمْ وَالنَّاظِر لَهُمْ , وَالرَّحِيم بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; بِقَوْلِهِ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } فَإِذَا كَانَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَنْبَأَهُمْ عَنْ مُلْكه إِيَّاهُمْ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { رَبّ الْعَالَمِينَ } فَأَوْلَى الصِّفَات مِنْ صِفَاته جَلَّ ذِكْرُهُ , أَنْ يُتَّبَع ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْوِهِ قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } مَعَ قُرْب مَا بَيْن الْآيَتَيْنِ مِنْ الْمُوَاصَلَة وَالْمُجَاوَرَة , إِذْ كَانَتْ حِكْمَته الْحِكْمَة الَّتِي لَا تُشْبِههَا حِكْمَة . وَكَانَ فِي إِعَادَة وَصْفه جَلَّ ذِكْرُهُ بِأَنَّهُ مَالِك يَوْم الدِّين , إِعَادَة مَا قَدْ مَضَى مِنْ وَصْفه بِهِ فِي قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } مَعَ تَقَارُب الْآيَتَيْنِ وَتَجَاوُر الصِّفَتَيْنِ . وَكَانَ فِي إِعَادَة ذَلِكَ تَكْرَار أَلْفَاظ مُخْتَلِفَة بِمَعَانٍ مُتَّفِقَة , لَا تُفِيد سَامِع مَا كَرَّرَ مِنْهُ فَائِدَة بِهِ إِلَيْهَا حَاجَة . وَاَلَّذِي لَمْ يَحْوِهِ مِنْ صِفَاته جَلَّ ذِكْرُهُ مَا قَبْل قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين } الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْله : مَلِك يَوْم الدِّين " , وَهُوَ وَصْفه بِأَنَّهُ الْمَلِك . فَبَيِّنٌ إِذًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ وَأَحَقّ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِ : قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " مَلِك يَوْم الدِّين " , بِمَعْنَى إِخْلَاص الْمُلْك لَهُ يَوْم الدِّين , دُون قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { مَالِك يَوْم الدِّين } بِمَعْنَى : أَنَّهُ يَمْلِك الْحُكْم بَيْنهمْ وَفَصْل الْقَضَاء مُتَفَرِّدًا بِهِ دُون سَائِر خَلْقه. فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } نَبَأ عَنْ مِلْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا دُون الْآخِرَة يُوجِب وَصْله بِالنَّبَأِ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُمْ فِي الْآخِرَة عَلَى نَحْو مِلْكِهُ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ : { مَالِك يَوْم الدِّين } فَقَدْ أَغْفَلَ وَظَنَّ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِظَانٍّ أَنْ يَظُنّ أَنَّ قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } مَحْصُور مَعْنَاهُ عَلَى الْخَبَر عَنْ رُبُوبِيَّة عَالَم الدُّنْيَا دُون عَالَم الْآخِرَة مَعَ عَدَم الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِر التَّنْزِيل , أَوْ فِي خَبَر عَنْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مَنْقُول , أَوْ بِحُجَّةٍ مَوْجُودَة فِي الْمَعْقُول , لَجَازَ لِآخَر أَنْ يَظُنّ أَنَّ ذَلِكَ مَحْصُور عَلَى عَالَم الزَّمَان الَّذِي فِيهِ نَزَلَ قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } دُون سَائِر مَا يَحْدُث بَعْده فِي الْأَزْمِنَة الْحَادِثَة مِنْ الْعَالَمِينَ , إِذْ كَانَ صَحِيحًا بِمَا قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْبَيَان أَنَّ عَالَم كُلّ زَمَان غَيْر عَالَم الزَّمَان الَّذِي بَعْده . فَإِنْ غَبِيَ عَنْ عِلْم صِحَّة ذَلِكَ بِمَا قَدْ قَدَّمْنَا ذُو غَبَاء , فَإِنَّ فِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } 45 16 دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ عَالَم كُلّ زَمَان غَيْر عَالَم الزَّمَان الَّذِي كَانَ قَبْله وَعَالَم الزَّمَان الَّذِي بَعْده . إِذْ كَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ فَضَّلَ أُمَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِر الْأُمَم الْخَالِيَة , وَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْله : { كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } 3 110 الْآيَة . فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل فِي عَصْر نَبِيّنَا , لَمْ يَكُونُوا مَعَ تَكْذِيبهمْ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل الْعَالَمِينَ , بَلْ كَانَ أَفْضَل الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْر وَبَعْده إِلَى قِيَام السَّاعَة , الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الْمُتَّبِعُونَ مِنْهَاجه , دُون مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة الضَّالَّة عَنْ مِنْهَاجه . فَإِذَا كَانَ بَيِّنًا فَسَاد تَأْوِيل مُتَأَوِّل لَوْ تَأَوَّلَ قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ : أَنَّ اللَّه رَبّ عَالَمِي زَمَن نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون عَالَمِي سَائِر الْأَزْمِنَة غَيْره , كَانَ وَاضِحًا فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيله : رَبّ عَالَم الدُّنْيَا دُون عَالَم الْآخِرَة , وَأَنَّ مَالِك يَوْم الدِّين اِسْتَحَقَّ الْوَصْل بِهِ لِيُعْلَم أَنَّهُ فِي الْآخِرَة مَنْ مَلَكَهُمْ وَرُبُوبِيَّتهمْ بِمِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا . وَيَسْأَل زَاعِم ذَلِكَ الْفَرْق - بَيْنه وَبَيْن مُتَحَكِّم مِثْله فِي تَأْوِيل قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } تَحَكُّم , فَقَالَ : إِنَّهُ إِنَّمَا عَنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهُ رَبّ عَالَمِي زَمَان مُحَمَّد دُون عَالَمِي غَيْره مِنْ الْأَزْمَان الْمَاضِيَة قَبْله وَالْحَادِثَة بَعْده , كَاَلَّذِي زَعَمَ قَائِل هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ عَنَى بِهِ عَالَم الدُّنْيَا دُون عَالَم الْآخِرَة - مِنْ أَصْل أَوْ دَلَالَة . فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . وَأَمَّا الزَّاعِم أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين } أَنَّهُ الَّذِي يَمْلِك إِقَامَة يَوْم الدِّين , فَإِنَّ الَّذِي أَلْزَمْنَا قَائِل هَذَا الْقَوْل الَّذِي قَبْله لَهُ لَازِم , إِذْ كَانَتْ إِقَامَة الْقِيَامَة إِنَّمَا هِيَ إِعَادَة الْخَلْق الَّذِينَ قَدْ بَادُوا لِهَيْئَاتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْل الْهَلَاك فِي الدَّار الَّتِي أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ فِيهَا مَا أَعَدَّ . وَهُمْ الْعَالَمُونَ الَّذِينَ قَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ رَبّهمْ فِي قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } وَأَمَّا تَأْوِيل ذَلِكَ فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { مَالِك يَوْم الدِّين } فَإِنَّهُ أَرَادَ : يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّين , فَنَصَبَهُ بِنِيَّةِ النِّدَاء وَالدُّعَاء , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } 12 29 بِتَأْوِيلِ : يَا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا . وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر مِنْ بَنِي أَسَد , وَهُوَ شِعْر فِيمَا يُقَال جَاهِلِيّ : إِنْ كُنْت أَزْنَيْتَنِي بِهَا كَذِبًا جَزْءُ , فَلَاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلَا يُرِيد : يَا جَزْءُ . وَكَمَا قَالَ الْآخَر : كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ لَا تَنْكِحُونَهَا بَنِي شَابَ قَرْنَاهَا تَصُرُّ وَتَحْلُبُ يُرِيد : يَا بَنِي شَابَ قَرْنَاهَا . وَإِنَّمَا أَوْرَطَهُ فِي قِرَاءَة ذَلِكَ بِنَصْبِ الْكَاف مِنْ " مَالِك " عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت حِيرَته فِي تَوْجِيه قَوْله : { إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين } وَجَّهْته مَعَ جَرّ : { مَالِك يَوْم الدِّين } وَخَفْضه , فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَصِحّ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْد جَرّه : { مَالِك يَوْم الدِّين } فَنَصَبَ : مَالِك يَوْم الدِّين " لِيَكُونَ { إِيَّاكَ نَعْبُد } لَهُ خِطَابًا , كَأَنَّهُ أَرَادَ : يَا مَالِك يَوْم الدِّين , إِيَّاكَ نَعْبُد , وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين . وَلَوْ كَانَ عَلِمَ تَأْوِيل أَوَّل السُّورَة وَأَنَّ " الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " , أَمْر مِنْ اللَّه عَبْده بِقِيلِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْل مِنْ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ اللَّه : قُلْ يَا مُحَمَّد : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالِك يَوْم الدِّين } وَقُلْ أَيْضًا يَا مُحَمَّد : { إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين } وَكَانَ عُقِلَ عَنْ الْعَرَب أَنَّ مِنْ شَأْنهَا إِذَا حَكَتْ أَوْ أَمَرَتْ بِحِكَايَةِ خَبَر يَتْلُو الْقَوْل , أَنْ تُخَاطِب ثُمَّ تُخْبِر عَنْ غَائِب , وَتُخْبِر عَنْ الْغَائِب ثُمَّ تَعُود إِلَى الْخِطَاب ; لِمَا فِي الْحِكَايَة بِالْقَوْلِ مِنْ مَعْنَى الْغَائِب وَالْمُخَاطَب , كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ : قَدْ قُلْت لِأَخِيك : لَوْ قُمْتَ لَقُمْتُ , وَقَدْ قُلْت لِأَخِيك : لَوْ قَامَ لَقُمْتَ ; لَسَهُلَ عَلَيْهِ مَخْرَج مَا اِسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ وُجْهَتُهُ مِنْ جَرّ : { مَالِك يَوْم الدِّين } وَمِنْ نَظِير " مَالِك يَوْم الدِّين " مَجْرُورًا , ثُمَّ عَوْده إِلَى الْخِطَاب ب " إِيَّاكَ نَعْبُد " لِمَا ذَكَرْنَا قَبْل , الْبَيْت السَّائِر مِنْ شَعْر أَبِي كَبِير الْهُذَلِيّ : يَا لَهْفَ نَفْسِيَ كَانَ جَدَّةُ خَالِدٍ وَبَيَاضُ وَجْهِكَ لِلتُّرَابِ الْأَعْفَرِ فَرَجَعَ إِلَى الْخِطَاب بِقَوْلِهِ : " وَبَيَاض وَجْهك " , بَعْد مَا قَدْ قَضَى الْخَبَر عَنْ خَالِد عَلَى مَعْنَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب . وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد بْن رَبِيعَة : بَاتَتْ تَشَكَّى إِلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وَقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْد سَبْعِينَا فَرَجَعَ إِلَى مُخَاطَبَة نَفْسه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخَبَر عَنْهَا عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه وَهُوَ أَصْدَقُ قِيلٍ وَأَثْبَتُ حُجَّةٍ : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } 10 22 فَخَاطَبَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب , وَلَمْ يَقُلْ : " وَجَرَيْنَ بِكُمْ ". وَالشَّوَاهِد مِنْ الشِّعْر وَكَلَام الْعَرَب فِي ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى , وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . فَقِرَاءَة : " مَالِكَ يَوْم الدِّين " مَحْظُورَة غَيْر جَائِزَة , لِإِجْمَاعِ جَمِيع الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَعُلَمَاء الْأُمَّة عَلَى رَفْض الْقِرَاءَة بِهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم الدِّين } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالدِّين فِي هَذَا الْمَوْضِع بِتَأْوِيلِ الْحِسَاب وَالْمُجَازَاة بِالْأَعْمَالِ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن جُعَيْل : إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمْ وَدِنَّاهُمْ مِثْلَ مَا يُقْرِضُونَا وَكَمَا قَالَ الْآخَر : وَاعْلَمْ وَأَيْقِنْ أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ وَاعْلَمْ بِأَنَّك مَا تَدِينُ تُدَانُ يَعْنِي مَا تَجْزِي تُجَازَى. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ } 82 9 يَعْنِي بِالْجَزَاءِ { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } 82 10 يُحْصُونَ مَا تَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال . وَقَوْله تَعَالَى : { فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْر مَدِينِينَ } 56 86 يَعْنِي غَيْر مَجْزِيِّينَ بِأَعْمَالِكُمْ وَلَا مُحَاسَبِينَ . وَلِلدِّينِ مَعَانٍ فِي كَلَام الْعَرَب غَيْر مَعْنَى الْحِسَاب وَالْجَزَاء سَنَذْكُرُهَا فِي أَمَاكِنهَا إِنْ شَاءَ اللَّه . وَبِمَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { يَوْم الدِّين } جَاءَتْ الْآثَار عَنْ السَّلَف مِنْ الْمُفَسِّرِينَ , مَعَ تَصْحِيح الشَّوَاهِد لِتَأْوِيلِهِمْ الَّذِي تَأَوَّلُوهُ فِي ذَلِكَ . 140 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : { يَوْم الدِّين } قَالَ : يَوْم حِسَاب الْخَلَائِق هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , يَدِينهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ , إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْهُ , فَالْأَمْر أَمْره. ثُمَّ قَالَ : { أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر } 7 54 141 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد الْقَنَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر الْهَمْدَانِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَلِك يَوْم الدِّين " : هُوَ يَوْم الْحِسَاب . 142 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين } قَالَ : يَوْم يَدِين اللَّه الْعِبَاد بِأَعْمَالِهِمْ . 143 -وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { مَالِك يَوْم الدِّين } قَالَ : يَوْم يُدَان النَّاس بِالْحِسَابِ.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات في ضوء الكتاب والسنة

    زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «زكاة العروض التجارية والأسهم والسندات» بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم العروض: لغةً, واصطلاحًا، وذكرت الأدلة على وجوبها، وذكرت شروط وجوب الزكاة فيها، وبيَّنت أن حول ربح التجارة حول أصله، وأنها تضم إلى النقدين في تكميل النصاب، وبيَّنت كيفيّة تقويم السلع آخر الحول، وأنه لا زكاة في الآلات التجارية التي أُعدّت للاستعمال، ثم ذكرت مقدار الواجب من الزكاة في عروض التجارة، ثم ختمت ذلك ببيان زكاة الأسهم والسندات، وكيفية زكاتها، والجائز منها والمحرّم، ثم ذكرت أهل الزكاة، ومن تحرم عليهم الزكاة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193656

    التحميل:

  • الطريق إلى الإسلام

    الطريق إلى الإسلام : هذا الكتاب يدعوك إلى السعادة العظمى؛ لأنه يهديك إلى الإيمان بربك الذي خلقك، ويدلك على الاعتقاد الحق الذي يؤيده عقلك السليم، وفطرتك السوية، والذي تعرف من خلاله بداية خلق الإنسان ونهايته، والحكمة من إيجاده، وغير ذلك. * هذا الكتاب كتب لتعريف غير المسلمين بالإسلام، ولهذا سوف يلاحظ القارئ قلة الحواشي والتفصيلات.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172590

    التحميل:

  • مسائل الجاهلية

    مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية : رسالة صغيرة الحجم كثيرة الفوائد تشتمل على نحو مئة مسألة من المسائل التي خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ولا أخذت عن نبي من النبيين ألفها الإمام محي السنة ومجدد الشريعة النبوية أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب النجدي - تغمده الله تعالى برحمته -، وقد رأى العلامة محمود شكري الآلوسي أنها في غاية الإيجاز، بل تكاد تعد من قبيل الألغاز، حيث قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها بدلائل ليست بمشروحة ولا مفصلة، حتى إن من ينظرها ليظن أنها فهرس كتاب، قد عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد المتمسك بها إلى منازل الرحمة، أحب أن يعلق عليها شرحاً يفصل مجملها ويكشف معضلها من غير إيجاز مخل ولا إطناب ممل، مقتصراً فيه أوضح الأقوال، ومبيناً ما أورده من برهان ودليل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144964

    التحميل:

  • دروس عقدية مستفادة من الحج

    دروس عقدية مستفادة من الحج: كتابٌ استخلص فيه المؤلف - حفظه الله - ثلاثة عشر درسًا من الدروس المتعلقة بالعقيدة المستفادة من عبادة الحج.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316770

    التحميل:

  • مصحف المدينة [ نسخ مصورة pdf ]

    مصحف المدينة: تحتوي هذه الصفحة على نسخ مصورة pdf من مصحف المدينة النبوية، بعدة أحجام مختلفة.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5256

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة