Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الفاتحة - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) (الفاتحة) mp3
قَالَ أَبُو جَعْفَر : مَعْنَى : { الْحَمْد لِلَّهِ } : الشُّكْر خَالِصًا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دُون سَائِر مَا نَعْبُد مِنْ دُونه , وَدُون كُلّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقه , بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَاده مِنْ النِّعَم الَّتِي لَا يُحْصِيهَا الْعَدَد وَلَا يُحِيط بِعَدَدِهَا غَيْره أَحَد , فِي تَصْحِيح الْآلَات لِطَاعَتِهِ , وَتَمْكِين جَوَارِح أَجْسَام الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضه , مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ الرِّزْق وَغَذَّاهُمْ بِهِ مِنْ نَعِيم الْعَيْش مِنْ غَيْر اِسْتِحْقَاق مِنْهُمْ لِذَلِكَ عَلَيْهِ , وَمَعَ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَاب الْمُؤَدِّيَة إِلَى دَوَام الْخُلُود فِي دَار الْمُقَام فِي النَّعِيم الْمُقِيم . فَلِرَبِّنَا الْحَمْد عَلَى ذَلِكَ كُلّه أَوَّلًا وَآخِرًا . وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيل قَوْل رَبّنَا جَلَّ ذِكْره وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ : { الْحَمْد لِلَّهِ } جَاءَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : 126 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ جِبْرِيل لِمُحَمَّدٍ : " قُلْ يَا مُحَمَّد : الْحَمْد لِلَّهِ " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْحَمْد لِلَّهِ : هُوَ الشُّكْر , وَالِاسْتِخْذَاء لِلَّهِ , وَالْإِقْرَار بِنِعْمَتِهِ وَهِدَايَته وَابْتِدَائِهِ , وَغَيْر ذَلِكَ . 127 -وَحَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ مُوسَى بْن أَبِي حَبِيب , عَنْ الْحَكَم بْن عُمَيْر -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة - قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا قُلْت الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَقَدْ شَكَرْت اللَّه فَزَادَك " . قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْل الْقَائِل : { الْحَمْد لِلَّهِ } ثَنَاء عَلَى اللَّه بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته الْحُسْنَى , وَقَوْله : " الشُّكْر لِلَّهِ " ثَنَاء عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَأَيَادِيه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار أَنَّهُ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ ثَنَاء عَلَى اللَّه . وَلَمْ يُبَيِّن فِي الرِّوَايَة عَنْهُ مِنْ أَيّ مَعْنَيَيْ الثَّنَاء اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا ذَلِكَ. 128 - حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّدَفِيّ , قَالَ : أَنْبَأَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد , عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّلُولِيّ , عَنْ كَعْب قَالَ : مَنْ قَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ " فَذَلِكَ ثَنَاء عَلَى اللَّه . 129 - وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن الْخَرَّاز , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجَرْمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب الْقَرْقَسَانِيّ , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ الْأَسْوَد بْن سَرِيع , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ شَيْء أَحَبّ إِلَيْهِ الْحَمْد مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَلِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَفْسه فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَا تَمَانُع بَيْن أَهْل الْمَعْرِفَة بِلُغَاتِ الْعَرَب مِنْ الْحُكْم لِقَوْلِ الْقَائِل : الْحَمْد لِلَّهِ شُكْرًا بِالصِّحَّةِ. فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ عِنْد جَمِيعهمْ صَحِيحًا , أَنَّ الْحَمْد لِلَّهِ قَدْ يَنْطِق بِهِ فِي مَوْضِع الشُّكْر , وَأَنَّ الشُّكْر قَدْ يُوضَع مَوْضِع الْحَمْد , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُقَال الْحَمْد لِلَّهِ شُكْرًا , فَيَخْرُج مِنْ قَوْل الْقَائِل " الْحَمْد لِلَّهِ " مُصَدَّر " أَشْكُر " , لِأَنَّ الشُّكْر لَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى الْحَمْد , كَانَ خَطَأ أَنْ يَصْدُر مِنْ الْحَمْد غَيْر مَعْنَاهُ وَغَيْر لَفْظه . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه إِدْخَال الْأَلِف وَاللَّام فِي الْحَمْد ؟ وَهَلَّا قِيلَ : حَمْدًا لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ! قِيلَ : إِنَّ لِدُخُولِ الْأَلِف وَاللَّام فِي الْحَمْد مَعْنَى لَا يُؤَدِّيه قَوْل الْقَائِل " حَمْدًا " , بِإِسْقَاطِ الْأَلِف وَاللَّام ; وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولهمَا فِي الْحَمْد مُنْبِئ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : جَمِيع الْمَحَامِد وَالشُّكْر الْكَامِل لِلَّهِ . وَلَوْ أُسْقِطَتَا مِنْهُ لَمَا دَلَّ إِلَّا عَلَى أَنَّ حَمْد قَائِل ذَلِكَ لِلَّهِ , دُون الْمَحَامِد كُلّهَا . إِذْ كَانَ مَعْنَى قَوْل الْقَائِل : " حَمْدًا لِلَّهِ " أَوْ " حَمْدٌ لِلَّهِ " : أَحْمَد اللَّه حَمْدًا , وَلَيْسَ التَّأْوِيل فِي قَوْل الْقَائِل : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } تَالِيًا سُورَة أُمّ الْقُرْآن أَحْمَد اللَّه , بَلْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ جَمِيع الْمَحَامِد لِلَّهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَإِنْعَامه عَلَى خَلْقه , بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ النِّعَم الَّتِي لَا كُفْء لَهَا فِي الدِّين وَالدُّنْيَا وَالْعَاجِل وَالْآجِل . وَلِذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَى , تَتَابَعَتْ قِرَاءَة الْقُرَّاءِ وَعُلَمَاء الْأُمَّة عَلَى رَفْع الْحَمْد مِنْ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } دُون نَصْبهَا , الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَى تَالِيه كَذَلِكَ : أَحْمَد اللَّه حَمْدًا . وَلَوْ قَرَأَ قَارِئ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ , لَكَانَ عِنْدِي مُحِيلًا مَعْنَاهُ وَمُسْتَحِقًّا الْعُقُوبَة عَلَى قِرَاءَته إِيَّاهُ كَذَلِكَ إِذَا تَعَمَّدَ قِرَاءَته كَذَلِكَ وَهُوَ عَالِم بِخَطَئِهِ وَفَسَاد تَأْوِيله . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا مَعْنَى قَوْله : الْحَمْد لِلَّهِ ؟ أَحْمَد اللَّه نَفْسه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَأَثْنَى عَلَيْهَا , ثُمَّ عَلَّمْنَاهُ لِنَقُولَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ وَوَصَفَ بِهِ نَفْسه ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا وَجْه قَوْله تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذًا : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وَهُوَ عَزَّ ذِكْره مَعْبُود لَا عَابِد ؟ أَمْ ذَلِكَ مِنْ قِيلِ جِبْرِيل أَوْ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِلَّهِ كَلَامًا . قِيلَ : بَلْ ذَلِكَ كُلّه كَلَام اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ; وَلَكِنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ حَمِدَ نَفْسه وَأَثْنَى عَلَيْهَا بِمَا هُوَ لَهُ أَهْل , ثُمَّ عَلَّمَ ذَلِكَ عِبَاده وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ تِلَاوَته , اِخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ وَابْتِلَاء , فَقَالَ لَهُمْ : قُولُوا الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " وَقُولُوا : " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " ; فَقَوْله : { إِيَّاكَ نَعْبُد } مِمَّا عَلَّمَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَقُولُوهُ وَيَدِينُوا لَهُ بِمَعْنَاهُ. وَذَلِكَ مَوْصُول بِقَوْلِهِ { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } وَكَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا هَذَا وَهَذَا . فَإِنْ قَالَ : وَأَيْنَ قَوْله : " قُولُوا " فَيَكُون تَأْوِيل ذَلِكَ مَا اِدَّعَيْت ؟ قِيلَ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَب مِنْ شَأْنهَا إِذَا عَرَفَتْ مَكَان الْكَلِمَة وَلَمْ تَشُكّ أَنَّ سَامِعهَا يَعْرِف بِمَا أَظْهَرَتْ مِنْ مَنْطِقهَا مَا حَذَفَتْ , حَذَفَ مَا كَفَى مِنْهُ الظَّاهِر مِنْ مَنْطِقهَا , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي حُذِفَتْ قَوْلًا أَوْ تَأْوِيل قَوْل , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَأَعْلَمُ أَنَّنِي لَا أَكُونُ رَمْسًا إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لَا يَسِيرُ فَقَالَ السَّائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُمْ فَقَالَ الْمُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ قَالَ أَبُو جَعْفَر : يُرِيد بِذَلِكَ : فَقَالَ الْمُخْبِرُونَ لَهُمْ : الْمَيِّت وَزِير , فَأَسْقَطَ " الْمَيِّت " , إِذْ كَانَ قَدْ أَتَى مِنْ الْكَلَام بِمَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ قَوْل الْآخَر : وَرَأَيْت زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الرُّمْح لَا يُتَقَلَّد , وَإِنَّمَا أَرَادَ : وَحَامِلًا رُمْحًا . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ اِكْتَفَى بِمَا قَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامه عَنْ إِظْهَار مَا حَذَفَ مِنْهُ . وَقَدْ يَقُولُونَ لِلْمُسَافِرِ إِذَا وَدَّعُوهُ : مُصَاحَبًا مُعَافًى , يَحْذِفُونَ سِرّ وَاخْرُجْ ; إِنْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ وَإِنْ أَسْقَطَ ذِكْره . فَكَذَلِكَ مَا حُذِفَ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } لِمَا عُلِمَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : { إِيَّاكَ نَعْبُد } مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } مِنْ مَعْنَى أَمْره عِبَاده , أَغْنَتْ دَلَالَة مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْل عَنْ إِبْدَاء مَا حُذِفَ . وَقَدْ رَوَيْنَا الْخَبَر الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْره مُبْتَدَأ فِي تَفْسِير قَوْل اللَّه : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ جِبْرِيل قَالَ لِمُحَمَّدٍ : قُلْ يَا مُحَمَّد : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. وَبَيَّنَّا أَنَّ جِبْرِيل إِنَّمَا عَلَّمَ مُحَمَّدًا مَا أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ . وَهَذَا الْخَبَر يُنْبِئ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ .


الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ مَضَى الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل اِسْم اللَّه الَّذِي هُوَ " اللَّه " فِي " بِسْمِ اللَّه " , فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَكْرَاره فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله " رَبّ " , فَإِنَّ الرَّبّ فِي كَلَام الْعَرَب مُتَصَرِّف عَلَى مَعَانٍ : فَالسَّيِّد الْمُطَاع فِيهَا يُدْعَى رَبًّا , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل لَبِيد بْن رَبِيعَة : وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَة وَابْنَهُ وَرَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَر يَعْنِي بِرَبِّ كِنْدَة : سَيِّد كِنْدَة . وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : تَخُبُّ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنَالَهُ فِدًى لَك مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي وَالرَّجُل الْمُصْلِح لِلشَّيْءِ يُدْعَى رَبًّا . وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق بْن غَالِب : كَانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إِذْ حَقَنَتْ سِلَاءَهَا فِي أَدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ يَعْنِي بِذَلِكَ فِي أَدِيم غَيْر مُصْلَح. وَمِنْ ذَلِكَ قِيلُ : إِنَّ فُلَانًا يَرُبُّ صَنِيعَتَهُ عِنْد فُلَان , إِذَا كَانَ يُحَاوِل إِصْلَاحهَا وَإِدَامَتهَا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : فَكُنْت اِمْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْك رَبَابَتِي وَقَبْلَك رَبَّتْنِي فَضِعْت رُبُوبُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَفْضَتْ إِلَيْك : أَيْ أَوْصَلْت إِلَيْك رَبَابَتِي , فَصِرْت أَنْتَ الَّذِي تَرُبُّ أَمْرِي فَتُصْلِحهُ لَمَّا خَرَجْت مِنْ رَبَابَة غَيْرك مِنْ الْمُلُوك الَّذِينَ كَانُوا قَبْلك عَلَيَّ , فَضَيَّعُوا أَمْرِي وَتَرَكُوا تَفَقُّده . وَهُمْ الرُّبُوب وَأَحَدهمْ رَبّ ; وَالْمَالِك لِلشَّيْءِ يُدْعَى رَبّه. وَقَدْ يَتَصَرَّف أَيْضًا مَعْنَى الرَّبّ فِي وُجُوه غَيْر ذَلِكَ , غَيْر أَنَّهَا تَعُود إِلَى بَعْض هَذِهِ الْوُجُوه الثَّلَاثَة . فَرَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ , السَّيِّد الَّذِي لَا شَبَه لَهُ , وَلَا مِثْل فِي سُؤْدُده , وَالْمُصْلِح أَمْر خَلْقه بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمه , وَالْمَالِك الَّذِي لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ { رَبّ الْعَالَمِينَ } جَاءَتْ الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس 130 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر ابْن سَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ جِبْرِيل لِمُحَمَّدٍ : " يَا مُحَمَّد قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْق كُلّه , السَّمَوَات كُلّهنَّ وَمَنْ فِيهِنَّ , وَالْأَرْضُونَ كُلّهنَّ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنهنَّ , مِمَّا يَعْلَم وَمِمَّا لَا يَعْلَم . يَقُول : اِعْلَمْ يَا مُحَمَّد أَنَّ رَبّك هَذَا لَا يُشْبِههُ شَيْء .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْعَالَمِينَ } قَالَهُ أَبُو جَعْفَر : وَالْعَالَمُونَ جَمْع عَالَم , وَالْعَالَم جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , كَالْأَنَامِ وَالرَّهْط وَالْجَيْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ مَوْضُوعَات عَلَى جِمَاع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه . وَالْعَالَم اِسْم لِأَصْنَافِ الْأُمَم , وَكُلّ صِنْف مِنْهَا عَالَم , وَأَهْل كُلّ قَرْن مِنْ كُلّ صِنْف مِنْهَا عَالَم ذَلِكَ الْقَرْن وَذَلِكَ الزَّمَان , فَالْإِنْس عَالَم وَكُلّ أَهْل زَمَان مِنْهُمْ عَالَم ذَلِكَ الزَّمَان . وَالْجِنّ عَالَم , وَكَذَلِكَ سَائِر أَجْنَاس الْخَلْق , كُلّ جِنْس مِنْهَا عَالَم زَمَانه . وَلِذَلِكَ جُمِعَ فَقِيلَ " عَالَمُونَ " , وَوَاحِده جَمْع لِكَوْنِ عَالَم كُلّ زَمَان مِنْ ذَلِكَ عَالَم ذَلِكَ الزَّمَان . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْعَجَّاج : فَخِنْدِفُ هَامَةُ هَذَا الْعَالَم فَجَعَلَهُمْ عَالَم زَمَانه . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . 131 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْق كُلّه , السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنهنَّ , مِمَّا يُعْلَم وَلَا يُعْلَم . 132 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ شَبِيبٍ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : رَبّ الْعَالَمِينَ : الْجِنّ وَالْإِنْس . * -وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَب , عَنْ قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : رَبّ الْجِنّ وَالْإِنْس . 133 -وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق بْن عِيسَى الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْر , قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْس , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : الْجِنّ وَالْإِنْس . 134 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي مَرْيَم , عَنْ اِبْن لَهِيعَة , عَنْ عَطَاء بْن دِينَار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : اِبْن آدَم , وَالْجِنّ وَالْإِنْس كُلّ أُمَّة مِنْهُمْ عَالَم عَلَى حِدَته . 135 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : الْإِنْس وَالْجِنّ . * - وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : بِمِثْلِهِ . 136 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : كُلّ صِنْف : عَالَم . 137 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ رَبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : الْإِنْس عَالَم , وَالْجِنّ عَالَم , وَمَا سِوَى ذَلِكَ ثَمَانِيَة عَشَر أَلْف عَالَم , أَوْ أَرْبَعَة عَشَر أَلْف عَالَم - وَهُوَ يَشُكّ - مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى الْأَرْض , وَلِلْأَرْضِ أَرْبَع زَوَايَا , فِي كُلّ زَاوِيَة ثَلَاثَة آلَاف عَالَم وَخَمْسمِائَةِ عَالَم , خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ. 138 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { رَبّ الْعَالَمِينَ } قَالَ : الْجِنّ وَالْإِنْس.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • يوم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم

    يوم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن غالب الناس في هذا الزمن بين غالٍ وجافٍ، فمنهم من غلا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى وصل به الأمر إلى الشرك - والعياذ بالله - من دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به، وفيهم من غفل عن اتباع هديه - صلى الله عليه وسلم - وسيرته فلم يتخذها نبراسًا لحياته ومعلمًا لطريقه. ورغبة في تقريب سيرته ودقائق حياته إلى عامة الناس بأسلوب سهل ميسر كانت هذه الورقات القليلة التي لا تفي بكل ذلك. لكنها وقفات ومقتطفات من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، ولم أستقصها، بل اقتصرت على ما أراه قد تفلت من حياة الناس، مكتفيًا عند كل خصلة ومنقبة بحديثين أو ثلاثة، فقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - حياة أمة وقيام دعوة ومنهاج حياة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/78853

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية من تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، وقد قام فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - بجمع تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - على هذا الكناب النفيس، وقد أخرجها وأعدها للطبع الشيخ عبد المحسن القاسم - أثابه الله - إمام وخطيب المسجد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203415

    التحميل:

  • حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

    حاشية على متن الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للعلامة السفاريني - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70854

    التحميل:

  • البلد الحرام فضائل وأحكام

    البلد الحرام فضائل وأحكام: هذه مذكرة مختصرة في ذكر فضائل البلد الحرام وبعض أحكامه، والمواقع المعظمة فيه، والتحذير من الإلحاد فيه بالبدع والمحدثات والذنوب والمنكرات، فيه حث جميع المسلمين أن يتدبروا النصوص الشرعية، وأن يتعلَّموا الأحكام العقدية والفقهية، وأن يلتزموا بالأداب النبوية، المتعلقة بهذا البلد الحرام، فهو بلد الله وبيته وحرمه، شرَّفه الله وعظَّمه واختصَّه من بين سائر الأماكن بتلك الأحكام والفضائل، فالموفق حقًّا من قدره حقّ قدره، فراعى حرمته، وحفظ له مكانته، وحرص فيه على زيادة الطاعات، واجتنب الذنوب والمنكرات، وعمل بكل فضيلة مشروعة، وترك كل رذيلة ممنوعة.

    الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332607

    التحميل:

  • تفسير ابن كثير [ تفسير القرآن العظيم ]

    تفسير ابن كثير: تحتوي هذه الصفحة على نسخة وورد، ومصورة pdf، والكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - والذي يعتبر من أفيد كتب التفسير بالرواية، حيث يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها، ويتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلاً، فبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو شذوذ غالباً، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين. قال السيوطي فيه: « لم يُؤلَّف على نمطه مثلُه ». • ونبشر الزوار الكرام بأنه قد تم ترجمة الكتاب وبعض مختصراته إلى عدة لغات عالمية وقد أضفنا بعضاً منها في موقعنا islamhouse.com

    المدقق/المراجع: جماعة من المراجعين

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net - دار طيبة للنشر والتوزيع - دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2458

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة