تفسير القرطبي - سورة الأعراف - الآية 164

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) (الأعراف)

أَيْ قَالَ الْفَاعِلُونَ لِلْوَاعِظِينَ حِين وَعَظُوهُمْ : إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّه مُهْلِكُنَا فَلِمَ تَعِظُونَنَا ؟ فَمَسَخَهُمْ اللَّه قِرَدَة .


أَيْ قَالَ الْوَاعِظُونَ : مَوْعِظَتنَا إِيَّاكُمْ مَعْذِرَة إِلَى رَبّكُمْ ; أَيْ إِنَّمَا يَجِب عَلَيْنَا أَنْ نَعِظَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَسْنَدَ هَذَا الْقَوْل الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ . وَقَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِفْتَرَقَتْ ثَلَاث فِرَق , وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الضَّمَائِر فِي الْآيَة . فِرْقَة عَصَتْ وَصَادَتْ , وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا . وَفِرْقَة اِعْتَزَلَتْ وَلَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ , وَأَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَة قَالَتْ لِلنَّاهِيَةِ : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا - تُرِيد الْعَاصِيَة - اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَلَى غَلَبَة الظَّنّ , وَمَا عُهِدَ مِنْ فِعْل اللَّه تَعَالَى حِينَئِذٍ بِالْأُمَمِ الْعَاصِيَة . فَقَالَتْ النَّاهِيَة : مَوْعِظَتنَا مَعْذِرَة إِلَى اللَّه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . وَلَوْ كَانُوا فِرْقَتَيْنِ لَقَالَتْ النَّاهِيَة لِلْعَاصِيَةِ : وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ , بِالْكَافِ . ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْد هَذَا ; فَقَالَتْ فِرْقَة : إِنَّ الطَّائِفَة الَّتِي لَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ هَلَكَتْ مَعَ الْعَاصِيَة عُقُوبَة عَلَى تَرْك النَّهْي ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ أَيْضًا : مَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ ; وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْآيَة . وَقَالَ عِكْرِمَة : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس لَمَّا قَالَ مَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ : أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ وَخَالَفُوهُمْ فَقَالُوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ ؟ فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَرَّفْته أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا ; فَكَسَانِي حُلَّة . وَهَذَا مَذْهَب الْحَسَن . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَتْ الْفِرْقَة الْعَادِيَة لَا غَيْر قَوْله : " وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ الْأَعْرَاف : 165 ] . وَقَوْله : " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت " [ الْبَقَرَة : 65 ] الْآيَة . وَقَرَأَ عِيسَى وَطَلْحَة " مَعْذِرَة " بِالنَّصْبِ . وَنَصْبه عِنْد الْكِسَائِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عَلَى الْمَصْدَر . وَالثَّانِي عَلَى تَقْدِير فَعَلْنَا ذَلِكَ مَعْذِرَة . وَهِيَ قِرَاءَة حَفْص عَنْ عَاصِم . وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ : وَهُوَ الِاخْتِيَار ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَعْتَذِرُوا اِعْتِذَارًا مُسْتَأْنَفًا مِنْ أَمْر لِيمُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ : لِمَ تَعِظُونَ ؟ فَقَالُوا : مَوْعِظَتنَا مَعْذِرَة . وَلَوْ قَالَ رَجُل لِرَجُلٍ : مَعْذِرَة إِلَى اللَّه وَإِلَيْك مِنْ كَذَا , يُرِيد اِعْتِذَارًا ; لِنَصْبٍ . هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " وَمَضَى فِيهَا الْكَلَام فِي الْمَمْسُوخ هَلْ يَنْسُل أَمْ لَا , مُبَيَّنًا . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَمَضَى فِي " آل عِمْرَان " وَ " الْمَائِدَة " الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر . وَمَضَى فِي " النِّسَاء " اِعْتِزَال أَهْل الْفَسَاد وَمُجَانَبَتُهُمْ , وَأَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ كَانَ مِثْلهمْ , فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .

تاريخ الحفظ: 10/6/2026 9:48:58
المصدر: https://wahaqouran.com/t-7-4-164.html