تفسير الطبري - سورة الأعراف - الآية 86

وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) (الأعراف)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } : وَلَا تَجْلِسُوا بِكُلِّ طَرِيق - وَهُوَ الصِّرَاط - تُوعِدُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَتْلِ . وَكَانُوا فِيمَا ذُكِرَ يَقْعُدُونَ عَلَى طَرِيق مَنْ قَصَدَ شُعَيْبًا وَأَرَادَهُ لِيُؤْمِن بِهِ , فَيَتَوَعَّدُونَهُ وَيُخَوِّفُونَهُ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ كَذَّاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11524 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } قَالَ : كَانُوا يُوعِدُونَ مَنْ أَتَى شُعَيْبًا وَغَشِيَهُ فَأَرَادَ الْإِسْلَام. 11525 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } وَالصِّرَاط : الطَّرِيق , يُخَوِّفُونَ النَّاس أَنْ يَأْتُوا شُعَيْبًا . 11526 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } قَالَ : كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الطَّرِيق ; فَيُخْبِرُونَ مَنْ أَتَى عَلَيْهِمْ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَام كَذَّاب , فَلَا يَفْتِنكُمْ عَنْ دِينكُمْ . 11527 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } : كُلّ سَبِيل حَقّ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نُجِيع , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 11528 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } كَانُوا يَقْعُدُونَ عَلَى كُلّ طَرِيق يُوعِدُونَ الْمُؤْمِنِينَ . 11529 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ قَيْس , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } قَالَ : الْعَشَّارُونَ . 11530 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - أَوْ غَيْره , شَكَّ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ - قَالَ : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ عَلَى خَشَبَة عَلَى الطَّرِيق لَا يَمُرّ بِهَا ثَوْب إِلَّا شَقَّتْهُ وَلَا شَيْء إِلَّا خَرَقَتْهُ , قَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : هَذَا مَثَل أَقْوَام مِنْ أُمَّتك يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيق فَيَقْطَعُونَهُ ; ثُمَّ تَلَا : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ } وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ عِنْد أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ نَبِيّ اللَّه شُعَيْبًا إِنَّمَا نَهَى قَوْمه بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } عَنْ قَطْع الطَّرِيق , وَأَنَّهُمْ كَانُوا قُطَّاع الطَّرِيق . وَقِيلَ : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ } وَلَوْ قِيلَ فِي غَيْر الْقُرْآن : لَا تَقْعُدُوا فِي كُلّ صِرَاط كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا فِي الْكَلَام ; وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الطَّرِيق لَيْسَ بِالْمَكَانِ الْمَعْلُوم , فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا جَازَ أَنْ يُقَال : قَعَدَ لَهُ بِمَكَانِ كَذَا , وَعَلَى مَكَان كَذَا , وَفِي مَكَان كَذَا. قَالَ : { تُوعِدُونَ } وَلَمْ يَقُلْ : " تَعْدُونَ " , لِأَنَّ الْعَرَب كَذَلِكَ تَفْعَل فِيمَا أَبْهَمَتْ وَلَمْ تُفْصِح بِهِ مِنْ الْوَعِيد , تَقُول : " أَوْعَدْته " بِالْأَلْفِ " وَتَقَدَّمَ مِنِّي إِلَيْهِ وَعِيد " , فَإِذَا بَيَّنَتْ عَمَّا أَوْعَدَتْ وَأَفْصَحَتْ بِهِ , قَالَتْ : " وَعَدْته خَيْرًا , وَوَعَدْته شَرًّا " بِغَيْرِ أَلِف , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { النَّار وَعَدَهَا اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا } 22 72

وَأَمَّا قَوْله : { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه مَنْ آمَنَ بِهِ } فَإِنَّهُ يَقُول : وَتَرُدُّونَ عَنْ طَرِيق اللَّه - وَهُوَ الرَّدّ عَنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ - مَنْ آمَنَ بِهِ , يَقُول : تَرُدُّونَ عَنْ طَرِيق اللَّه مَنْ صَدَّقَ بِاَللَّهِ وَوَحَّدَهُ. { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } يَقُول : وَتَلْتَمِسُونَ لِمَنْ سَلَكَ سَبِيل اللَّه وَآمَنَ بِهِ وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ , عِوَجًا عَنْ الْقَصْد وَالْحَقّ إِلَى الزَّيْغ وَالضَّلَال . كَمَا : 11531 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } قَالَ : أَهْلهَا , { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 11532 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } قَالَ : تَبْغُونَ السَّبِيل عَنْ الْحَقّ عِوَجًا . 11533 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } عَنْ الْإِسْلَام تَبْغُونَ السَّبِيل { عِوَجًا } : هَلَاكًا .

وَقَوْله : { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ } يُذَكِّرهُمْ شُعَيْب نِعْمَة اللَّه عِنْدهمْ بِأَنْ كَثَّرَ جَمَاعَتهمْ بَعْد أَنْ كَانُوا قَلِيلًا عَدَدهمْ , وَأَنْ رَفَعَهُمْ مِنْ الذِّلَّة وَالْخَسَاسَة . يَقُول لَهُمْ : فَاشْكُرُوا اللَّه الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة , وَاتَّقُوا عُقُوبَته بِالطَّاعَةِ , وَاحْذَرُوا نِقْمَته بِتَرْكِ الْمَعْصِيَة .

{ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ } يَقُول : وَانْظُرُوا مَا نَزَلَ بِمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم حِين عَتَوْا عَلَى رَبّهمْ وَعَصَوْا رُسُله مِنْ الْمَثُلَات وَالنِّقْمَات , وَكَيْفَ وَجَدُوا عُقْبَى عِصْيَانهمْ إِيَّاهُ , أَلَمْ يُهْلِك بَعْضهمْ غَرَقًا بِالطُّوفَانِ وَبَعْضهمْ رَجْمًا بِالْحِجَارَةِ وَبَعْضهمْ بِالصَّيْحَةِ ؟ وَالْإِفْسَاد فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنَاهُ : مَعْصِيَة اللَّه .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 3:16:58
المصدر: https://wahaqouran.com/t-7-3-86.html