وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) (الأعراف)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ خَلَقْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , يُقَال مِنْهُ : ذَرَأَ اللَّه خَلْقه يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11980 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس } قَالَ : مِمَّا خَلَقْنَا. * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم } قَالَ : خَلَقْنَا . 11981 - قَالَ : ثنا زَكَرِيَّا , عَنْ عَتَّاب بْن بَشِير , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَوْلَاد الزِّنَا مِمَّا ذَرَأَ اللَّه لِجَهَنَّم . 11982 - قَالَ : ثنا زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ وَعُثْمَان الْأَحْوَل , عَنْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو , عَنْ مُعَاوِيَة بْن إِسْحَاق , عَنْ جَلِيس لَهُ بِالطَّائِفِ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِنَّ اللَّه لَمَّا ذَرَأَ لِجَهَنَّم مَا ذَرَأَ , كَانَ وَلَد الزِّنَا مِمَّنْ ذَرَأَ لِجَهَنَّم " . 11983 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم } يَقُول : خَلَقْنَا . 11984 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم } قَالَ : لَقَدْ خَلَقْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ و الْإِنْس. 11985 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم } خَلَقْنَا . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس } لِنَفَاذِ عِلْمه فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ .
وَأَمَّا قَوْله : { لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقَهُونَ بِهَا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَرَأَهُمْ اللَّه لِجَهَنَّم مِنْ خَلْقه قُلُوب لَا يَتَفَكَّرُونَ بِهَا فِي آيَات اللَّه , وَلَا يَتَدَبَّرُونَ بِهَا أَدِلَّته عَلَى وَحْدَانِيّته , وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا حُجَجه لِرُسُلِهِ , فَيَعْلَمُوا تَوْحِيد رَبّهمْ , وَيَعْرِفُوا حَقِيقَة نُبُوَّة أَنْبِيَائِهِمْ . فَوَصَفَهُمْ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الْحَقّ وَتَرْكهمْ تَدَبُّر صِحَّة الرُّشْد وَبُطُول الْكُفْر . وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَهُمْ أَعْيُن لَا يُبْصِرُونَ بِهَا } مَعْنَاهُ : وَلَهُمْ أَعْيُن لَا يَنْظُرُونَ بِهَا إِلَى آيَات اللَّه وَأَدِلَّته , فَيَتَأَمَّلُوهَا وَيَتَفَكَّرُوا فِيهَا , فَيَعْلَمُوا بِهَا صِحَّة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ رُسُلهمْ , وَفَسَاد مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ وَتَكْذِيب رُسُله ; فَوَصَفَهُمْ اللَّه بِتَرْكِهِمْ إِعْمَالهَا فِي الْحَقّ بِأَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا . وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَهُمْ آذَان لَا يَسْمَعُونَ بِهَا } آيَات كِتَاب اللَّه فَيَعْتَبِرُوهَا وَيَتَفَكَّرُوا فِيهَا , وَلَكِنَّهُمْ يُعْرِضُونَ عَنْهَا , وَيَقُولُونَ : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } 41 26 وَذَلِكَ نَظِير وَصْف اللَّه إِيَّاهُمْ فِي مَوْضِع آخَر بِقَوْلِهِ : { صُمّ بُكْم عُمْي فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } 2 171 وَالْعَرَب تَقُول ذَلِكَ لِلتَّارِكِ اِسْتِعْمَال بَعْض جَوَارِحه فِيمَا يَصْلُح لَهُ , وَمِنْهُ قَوْل مِسْكِين الدَّارِمِيّ : أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْر وَأَصَمّ عَمَّا كَانَ بَيْنهمَا سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْر فَوَصَفَ نَفْسه لِتَرْكِهِ النَّظَر وَالِاسْتِمَاع بِالْعَمَى وَالصَّمَم . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : وَعَوْرَاء اللِّئَام صَمَمْت عَنْهَا وَإِنِّي لَوْ أَشَاء بِهَا سَمِيع وَبَادِرَة وَزَعْت النَّفْس عَنْهَا وَلَوْ بِينَتْ مِنْ الْعَصَب الضُّلُوع وَذَلِكَ كَثِير فِي كَلَام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11986 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقَهُونَ بِهَا } قَالَ : لَا يَفْقَهُونَ بِهَا شَيْئًا مِنْ أَمْر الْآخِرَة. { وَلَهُمْ أَعْيُن لَا يُبْصِرُونَ بِهَا } الْهُدَى . { وَلَهُمْ آذَان لَا يَسْمَعُونَ بِهَا الْحَقّ } ثُمَّ جَعَلَهُمْ كَالْأَنْعَامِ , ثُمَّ جَعَلَهُمْ شَرًّا مِنْ الْأَنْعَام , فَقَالَ : { بَلْ هُمْ أَضَلّ } ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمْ الْغَافِلُونَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ } هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَرَأَهُمْ لِجَهَنَّم هُمْ كَالْأَنْعَامِ , وَهِيَ الْبَهَائِم الَّتِي لَا تَفْقَه مَا يُقَال لَهَا وَلَا تَفْهَم مَا أَبْصَرَتْهُ مِمَّا يَصْلُح وَمَا لَا يَصْلُح وَلَا تَعْقِل بِقُلُوبِهَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ فَتُمَيِّز بَيْنهمَا , فَشَبَّهَهُمْ اللَّه بِهَا , إِذْ كَانُوا لَا يَتَذَكَّرُونَ مَا يَرَوْنَ بِأَبْصَارِهِمْ مِنْ حُجَجه , وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ آي كِتَابه. ثُمَّ قَالَ : { بَلْ هُمْ أَضَلّ } يَقُول : هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة الَّذِينَ ذَرَأَهُمْ لِجَهَنَّم أَشَدّ ذَهَابًا عَنْ الْحَقّ وَأَلْزَم لِطَرِيقِ الْبَاطِل مِنْ الْبَهَائِم , لِأَنَّ الْبَهَائِم لَا اِخْتِيَار لَهَا وَلَا تَمْيِيز فَتَخْتَار وَتُمَيِّز , وَإِنَّمَا هِيَ مُسَخَّرَة وَمَعَ ذَلِكَ تَهْرُب مِنْ الْمَضَارّ وَتَطْلُب لِأَنْفُسِهَا مِنْ الْغِذَاء الْأَصْلَح. وَاَلَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , مَعَ مَا أُعْطُوا مِنْ الْأَفْهَام وَالْعُقُول الْمُمَيِّزَة بَيْن الْمَصَالِح وَالْمَضَارّ , تَتْرُك مَا فِيهِ صَلَاح دُنْيَاهَا وَآخِرَتهَا وَتَطْلُب مَا فِيهِ مَضَارّهَا , فَالْبَهَائِم مِنْهَا أَسَدّ وَهِيَ مِنْهَا أَضَلّ , كَمَا وَصَفَهَا بِهِ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ .
وَقَوْله : { أُولَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ , الْقَوْم الَّذِينَ غَفَلُوا , يَعْنِي سَهْوًا عَنْ آيَاتِي وَحُجَجِي , وَتَرَكُوا تَدَبُّرهَا وَالِاعْتِبَار بِهَا وَالِاسْتِدْلَال عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد رَبّهَا , لَا الْبَهَائِم الَّتِي قَدْ عَرَّفَهَا رَبّهَا مَا سَخَّرَهَا لَهُ .