تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 28

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمَقْتُول مِنْ اِبْنَيْ آدَم أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَخُوهُ الْقَاتِل لَأَقْتُلَنَّكَ : وَاَللَّه { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك } يَقُول : مَدَدْت إِلَيَّ يَدك { لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } يَقُول : مَا أَنَا بِمَادٍّ يَدِي إِلَيْك { لِأَقْتُلك } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قَالَ الْمَقْتُول ذَلِكَ لِأَخِيهِ وَلَمْ يُمَانِعهُ مَا فَعَلَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَالَ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لِأَخِيهِ الْقَاتِل أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلّ قَتْله وَلَا بَسْط يَده إِلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْذَن اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9160 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّهُ قَالَ : وَاَيْم اللَّه إِنْ كَانَ الْمَقْتُول لَأَشَدّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج أَنْ يَبْسُط إِلَى أَخِيهِ . 9161 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } لَا أَنَا بِمُنْتَصِرٍ , وَلَأُمْسِكَنَّ يَدِي عَنْك . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَمْنَعهُ مِمَّا أَرَادَ مِنْ قَتْله , وَقَالَ مَا قَالَ لَهُ مِمَّا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه . إِلَّا أَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْتَنِع مَنْ أُرِيدَ قَتْله مِمَّنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9162 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا رَجُل , سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } قَالَ مُجَاهِد : كَانَ كَتَبَ اللَّه عَلَيْهِمْ : إِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يَقْتُل رَجُلًا تَرَكَهُ وَلَا يَمْتَنِع مِنْهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَدْ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ نَفْس ظُلْمًا , وَأَنَّ الْمَقْتُول قَالَ لِأَخِيهِ : مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك ; لِأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْ قَتْل أَخِيهِ مِثْل الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَى أَخِيهِ الْقَاتِل مِنْ قَتْله . فَأَمَّا الِامْتِنَاع مِنْ قَتْله حِين أَرَادَ قَتْله , فَلَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَاتِل حِين أَرَادَ قَتْله وَعَزَمَ عَلَيْهِ كَانَ الْمَقْتُول عَالِمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ عَازِم مِنْهُ وَمُحَاوِل مِنْ قَتْله , فَتَرَكَ دَفْعه عَنْ نَفْسه ; بَلْ قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَة , اِغْتَالَهُ وَهُوَ نَائِم , فَشَدَخَ رَأْسه بِصَخْرَةٍ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَرْكِ مَنْع أَخِيهِ مِنْ قَتْله , لَمْ يَكُنْ جَائِزًا اِدِّعَاء مَا لَيْسَ فِي الْآيَة إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَجِب تَسْلِيمه .
وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { إِنِّي أَخَاف اللَّه } فَإِنِّي أَخَاف اللَّه فِي بَسْط يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْتهَا لِقَتْلِك . { رَبّ الْعَالَمِينَ } يَعْنِي : مَالِك الْخَلَائِق كُلّهَا أَنْ يُعَاقِبنِي عَلَى بَسْط يَدِي إِلَيْك .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 12:09:30
المصدر: https://wahaqouran.com/t-5-3-28.html