تفسير الطبري - سورة الشورى - الآية 43

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) (الشورى)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَنْ صَبَرَ عَلَى إِسَاءَة إِلَيْهِ , وَغَفَرَ لِلْمُسِيءِ إِلَيْهِ جُرْمه إِلَيْهِ , فَلَمْ يَنْتَصِر مِنْهُ , وَهُوَ عَلَى الِانْتِصَار مِنْهُ قَادِر ابْتِغَاء وَجْه اللَّه وَجَزِيل ثَوَابه . { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور } يَقُول : إِنَّ صَبْره ذَلِكَ وَغُفْرَانه ذَنْب الْمُسِيء إِلَيْهِ , لَمِنْ عَزْم الْأُمُور الَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا عِبَاده , وَعَزَمَ عَلَيْهِمُ الْعَمَل بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول " إِنَّ " فِي قَوْله : { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور } مَعَ دُخُول اللَّام فِي قَوْله : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } فَكَانَ نَحْوِيّ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي ذَلِكَ : أَمَّا اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } فَلَامَ الِابْتِدَاء , وَأَمَّا إِنَّ ذَلِكَ فَمَعْنَاهُ وَاللَّه أَعْلَم : إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ عَزْم الْأُمُور , وَقَالَ : قَدْ تَقُول : مَرَرْت بِالدَّارِ الذِّرَاع بِدِرْهَمٍ : أَيْ الذِّرَاع مِنْهَا بِدِرْهَمٍ , وَمَرَرْت بِبُرّ قَفِيز بِدِرْهَمٍ , أَيْ قَفِيز مِنْهُ بِدِرْهَمٍ . قَالَ : وَأَمَّا ابْتِدَاء " إِنَّ " فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَمِثْل { قُلْ إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } 62 8 يَجُوز ابْتِدَاء الْكَلَام , وَهَذَا إِذَا طَالَ الْكَلَام فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَكَانَ بَعْضهمْ يَسْتَخْطِئ هَذَا الْقَوْل وَيَقُول : إِنَّ الْعَرَب إِذَا أَدْخَلَتْ اللَّام فِي أَوَائِل الْجَزَاء أَجَابَتْهُ بِجَوَابَاتِ الْأَيْمَان بِمَا , وَلَا , وَإِنَّ وَاللَّام : قَالَ : وَهَذَا مِنْ ذَاكَ , كَمَا قَالَ : { لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ } 59 12 { وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } 59 12 فَجَاءَ بِلَا وَبِاللَّامِ جَوَابًا لِلَّامِ الْأُولَى. قَالَ : وَلَوْ قَالَ : لَئِنْ قُمْت إِنِّي لَقَائِم لَجَازَ وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى الْعَائِد ; لِأَنَّ الْجَوَاب فِي الْيَمِين قَدْ يَكُون فِيهِ الْعَائِد , وَقَدْ لَا يَكُون ; أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : لَئِنْ قُمْت لَأَقُومَن , وَلَا أَقُوم , وَإِنِّي لَقَائِم فَلَا تَأْتِي بِعَائِدٍ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلهمْ : مَرَرْت بِدَارِ الذِّرَاع بِدِرْهَمٍ وَبِبُرّ قَفِيز بِدِرْهَمٍ , فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ يَتَّصِل بِالْأَوَّلِ بِالْعَائِدِ , وَإِنَّمَا يُحْذَف الْعَائِد فِيهِ ; لِأَنَّ الثَّانِي تَبْعِيض لِلْأَوَّلِ مَرَرْت بِبُرٍّ بَعْضه بِدِرْهَمٍ , وَبَعْضه بِدِرْهَمٍ ; فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنَى التَّبْعِيض حُذِفَ الْعَائِد . قَالَ : وَأَمَّا ابْتِدَاء " إِنَّ " فِي كُلّ مَوْضِع إِذَا طَالَ الْكَلَام , فَلَا يَجُوز أَنْ تَبْتَدِئ إِلَّا بِمَعْنَى : قُلْ إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ , فَإِنَّهُ جَوَاب لِلْجَزَاءِ , كَأَنَّهُ قَالَ : مَا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْمَوْت , فَهُوَ مُلَاقِيكُمْ , وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي عِنْدِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 2:03:27
المصدر: https://wahaqouran.com/t-42-3-43.html