مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) (النساء)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } مَا يُصِيبك يَا مُحَمَّد مِنْ رَخَاء وَنِعْمَة وَعَافِيَة وَسَلَامَة , فَمِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْك يَتَفَضَّل بِهِ عَلَيْك إِحْسَانًا مِنْهُ إِلَيْك. وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } يَعْنِي : وَمَا أَصَابَك مِنْ شِدَّة وَمَشَقَّة وَأَذًى وَمَكْرُوه , فَمِنْ نَفْسك , يَعْنِي : بِذَنْبٍ اِسْتَوْجَبَتْهَا بِهِ اِكْتَسَبَتْهُ نَفْسك . كَمَا : 7882 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } أَمَّا مِنْ نَفْسك , فَيَقُول : مِنْ ذَنْبك . 7883 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } عُقُوبَة يَا اِبْن آدَم بِذَنْبِك . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَا يُصِيب رَجُلًا خَدْش عُود وَلَا عَثْرَة قَدَم وَلَا اِخْتِلَاج عِرْق إِلَّا بِذَنْبٍ , وَمَا يَعْفُو اللَّه أَكْثَر " . 7884 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } يَقُول : الْحَسَنَة : مَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ يَوْم بَدْر وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْغَنِيمَة وَالْفَتْح , وَالسَّيِّئَة : مَا أَصَابَهُ يَوْم أُحُد أَنْ شُجَّ فِي وَجْهه وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَته . 7885 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } يَقُول : بِذَنْبِك . ثُمَّ قَالَ : { كُلّ مِنْ عِنْد اللَّه } النِّعَم وَالْمُصِيبَات . 7886 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد وَابْن أَبِي جَعْفَر , قَالَا : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } قَالَ : هَذِهِ فِي الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة مِثْله . 7887 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } قَالَ : عُقُوبَة بِذَنْبِك . 7888 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } بِذَنْبِك , كَمَا قَالَ لِأَهْلِ أُحُد : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَة قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْد أَنْفُسكُمْ } 3 165 بِذُنُوبِكُمْ . 7889 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } قَالَ : بِذَنْبِك , وَأَنَا قَدَّرْتهَا عَلَيْك. * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللَّه وَمَا أَصَابَك مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسك } وَأَنَا الَّذِي قَدَّرْتهَا عَلَيْك . * - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي صَالِح , بِمِثْلِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه دُخُول " مِنْ " فِي قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة } و { مِنْ سَيِّئَة } ؟ قِيلَ : اِخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْعَرَبِيَّة , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُدْخِلَتْ " مِنْ " , لِأَنَّ " مِنْ " تَحْسُن مَعَ النَّفْي , مِثْل : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد. قَالَ : وَدُخُول الْخَبَر بِالْفَاءِ لَازِمًا بِمَنْزِلَةِ " مَنْ " . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : أُدْخِلَتْ " مِنْ " مَعَ " مَا " , كَمَا تَدْخُل عَلَى " إِنْ " فِي الْجَزَاء لِأَنَّهُمَا حَرْفَا جَزَاء , وَكَذَلِكَ تَدْخُل مَعَ " مَنْ " إِذَا كَانَتْ جَزَاء , فَتَقُول الْعَرَب : مَنْ يَزُرْك مِنْ أَحَد فَتُكْرِمهُ , كَمَا تَقُول : إِنْ يَزُرْك مِنْ أَحَد فَتُكْرِمهُ . قَالَ : وَأَدْخَلُوهَا مَعَ " مَا " و " مَنْ " , لِيُعْلَم بِدُخُولِهَا مَعَهُمَا أَنَّهُمَا جَزَاء . قَالُوا : وَإِذَا دَخَلَتْ مَعَهُمَا لَمْ تُحْذَف , لِأَنَّهَا إِذَا حُذِفَتْ صَارَ الْفِعْل رَافِعًا شَيْئَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ " مَا " فِي قَوْله : { مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَة } رُفِعَ بِقَوْلِهِ : { أَصَابَك } فَلَوْ حُذِفَتْ " مِنْ " رَفَعَ قَوْله : { أَصَابَك } السَّيِّئَة , لِأَنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ تُصِبْك سَيِّئَة , فَلَمْ يَجُزْ حَذْف " مِنْ " لِذَلِكَ , لِأَنَّ الْفِعْل الَّذِي هُوَ عَلَى فَعَلَ أَوْ يَفْعَل لَا يَرْفَع شَيْئَيْنِ , وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ " مَنْ " , لِأَنَّهَا تَشْتَبِه بِالصِّفَاتِ , وَهِيَ فِي مَوْضِع اِسْم , فَأَمَّا " إِنْ " , فَإِنَّ " مِنْ " تَدْخُل مَعَهَا وَتَخْرُج , وَلَا تَخْرُج مَعَ " أَيّ " لِأَنَّهَا تُعْرَب فَيَبِين فِيهَا الْإِعْرَاب , وَدَخَلَتْ مَعَ " مَا " لِأَنَّ الْإِعْرَاب لَا يَظْهَر فِيهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَرْسَلْنَاك لِلنَّاسِ رَسُولًا } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأَرْسَلْنَاك لِلنَّاسِ رَسُولًا } : إِنَّمَا جَعَلْنَاك يَا مُحَمَّد رَسُولًا بَيْننَا وَبَيْن الْخَلْق تُبَلِّغهُمْ مَا أَرْسَلْنَاك بِهِ مِنْ رِسَالَة , وَلَيْسَ عَلَيْك غَيْر الْبَلَاغ وَأَدَاء الرِّسَالَة إِلَى مَنْ أُرْسِلْت , فَإِنْ قَبِلُوا مَا أُرْسِلْت بِهِ فَلِأَنْفُسِهِمْ , وَإِنْ رَدُّوا فَعَلَيْهَا .
{ وَكَفَى بِاَللَّهِ } عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ { شَهِيدًا } يَقُول : حَسْبك اللَّه تَعَالَى ذِكْره شَاهِدًا عَلَيْك فِي بَلَاغك مَا أَمَرْتُك بِبَلَاغِهِ مِنْ رِسَالَته وَوَحْيه , وَعَلَى مَنْ أُرْسِلْت إِلَيْهِ فِي قَبُولهمْ مِنْك مَا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْهِمْ , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرك وَأَمْرهمْ , وَهُوَ مُجَازِيك بِبَلَاغِك مَا وَعَدَك , وَمُجَازِيهمْ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْر وَشَرّ جَزَاء الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ.