الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) (آل عمران)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } وَقَوْله : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا } مِنْ نَعْت " أُولِي الْأَلْبَاب " , وَ " الَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى قَوْله : " لِأُولِي الْأَلْبَاب " . وَمَعْنَى الْآيَة : إِنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لَآيَات لِأُولِي الْأَلْبَاب , الذَّاكِرِينَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ , يَعْنِي بِذَلِكَ : قِيَامًا فِي صَلَاتهمْ وَقُعُودًا فِي تَشَهُّدهمْ وَفِي غَيْر صَلَاتهمْ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ نِيَامًا . كَمَا : 6657 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا } . .. الْآيَة , قَالَ : هُوَ ذِكْر اللَّه فِي الصَّلَاة وَفِي غَيْر الصَّلَاة , وَقِرَاءَة الْقُرْآن . 6658 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } وَهَذِهِ حَالَاتك كُلّهَا يَا اِبْن آدَم , فَاذْكُرْهُ وَأَنْتَ عَلَى جَنْبك يُسْرًا مِنْ اللَّه وَتَخْفِيفًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } فَعُطِفَ بِ " عَلَى " , وَهِيَ صِفَة عَلَى الْقِيَام وَالْقُعُود وَهُمَا اِسْمَانِ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ قَوْله : { وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } فِي مَعْنَى الِاسْم , وَمَعْنَاهُ : وَنِيَامًا أَوْ مُضْطَجِعِينَ عَلَى جُنُوبِهِمْ ; فَحَسُنَ عَطْف ذَلِكَ عَلَى الْقِيَام وَالْقُعُود لِذَلِكَ الْمَعْنَى , كَمَا قِيلَ : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَان الضُّرّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } فَعَطَفَ بِقَوْلِهِ : { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } 10 12 عَلَى قَوْله : { لِجَنْبِهِ } , لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله : لِجَنْبِهِ مُضْطَجِعًا , فَعُطِفَ بِالْقَاعِدِ وَالْقَائِم عَلَى مَعْنَاهُ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَعَلَى جُنُوبِهِمْ }
وَأَمَّا قَوْله : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِصَنْعَةِ صَانِع ذَلِكَ , فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَصْنَع ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , وَمَنْ هُوَ مَالِك كُلّ شَيْء وَرَازِقه , وَخَالِق كُلّ شَيْء وَمُدَبِّره , مَنْ هُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , وَبِيَدِهِ الْإِغْنَاء وَالْإِفْقَار , وَالْإِعْزَاز وَالْإِذْلَال , وَالْإِحْيَاء وَالْإِمَاتَة , وَالشَّقَاء وَالسَّعَادَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانك فَقِنَا عَذَاب النَّار } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , قَائِلِينَ : { رَبّنَا مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلًا } فَتَرَكَ ذِكْر قَائِلِينَ , إِذْ كَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلَالَة عَلَيْهِ ; وَقَوْله : { مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلًا } يَقُول : لَمْ تَخْلُق هَذَا الْخَلْق عَبَثًا وَلَا لَعِبًا , لَمْ تَخْلُقهُ إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيم مِنْ ثَوَاب وَعِقَاب وَمُحَاسَبَة وَمُجَازَاة , وَإِنَّمَا قَالَ : مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلًا , وَلَمْ يَقُلْ : مَا خَلَقْت هَذِهِ , وَلَا هَؤُلَاءِ , لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْخَلْق الَّذِي فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله : { سُبْحَانك فَقِنَا عَذَاب النَّار } وَرَغْبَتهمْ إِلَى رَبّهمْ فِي أَنْ يَقِيَهُمْ عَذَاب الْجَحِيم , وَلَوْ كَانَ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلًا } السَّمَوَات وَالْأَرْض , لَمَّا كَانَ لِقَوْلِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ : { فَقِنَا عَذَاب النَّار } مَعْنًى مَفْهُوم , لِأَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض أَدِلَّة عَلَى بَارِئِهَا , لَا عَلَى الثَّوَاب وَالْعِقَاب , وَإِنَّمَا الدَّلِيل عَلَى الثَّوَاب وَالْعِقَاب : الْأَمْر وَالنَّهْي ; وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أُولِي الْأَلْبَاب الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا الْمَأْمُورِينَ الْمَنْهِيِّينَ , قَالُوا : يَا رَبّنَا لَمْ تَخْلُق هَؤُلَاءِ بَاطِلًا عَبَثًا سُبْحَانك , يَعْنِي : تَنْزِيهًا لَك مِنْ أَنْ تَفْعَل شَيْئًا عَبَثًا , وَلَكِنَّك خَلَقْتهمْ لِعَظِيمٍ مِنْ الْأَمْر , لِجَنَّةٍ أَوْ نَار . ثُمَّ فَزِعُوا إِلَى رَبّهمْ بِالْمَسْأَلَةِ أَنْ يُجِيرهُمْ مِنْ عَذَاب النَّار , وَأَنْ لَا يَجْعَلهُمْ مِمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره , فَيَكُونُوا مِنْ أَهْل جَهَنَّم .