إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) (البقرة)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات } إنْ تُعْلِنُوا الصَّدَقَات فَتُعْطُوهَا مَنْ تَصَدَّقْتُمْ بِهَا عَلَيْهِ , { فَنِعِمَّا هِيَ } يَقُول : فَنِعْمَ الشَّيْء هِيَ . { وَإِنْ تُخْفُوهَا } يَقُول : وَإِنْ تَسْتُرُوهَا فَلَمْ تُعْلِنُوهَا { وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء } يَعْنِي : وَتُعْطُوهَا الْفُقَرَاء فِي السِّرّ , { فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } يَقُول : فَإِخْفَاؤُكُمْ إيَّاهَا خَيْر لَكُمْ مِنْ إعْلَانهَا . وَذَلِكَ فِي صَدَقَة التَّطَوُّع . كَمَا : 4847 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } كُلّ مَقْبُول إذَا كَانَتْ النِّيَّة صَادِقَة , وَصَدَقَة السِّرّ أَفْضَل . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ الْمَاءُ النَّارَ . 4848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } قَالَ : كُلّ مَقْبُول إذَا كَانَتْ النِّيَّة صَادِقَة , وَالصَّدَقَة فِي السِّرّ أَفْضَل . وَكَانَ يَقُول : إنَّ الصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ الْمَاءُ النَّارَ . 4849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } فَجَعَلَ اللَّه صَدَقَة السِّرّ فِي التَّطَوُّع تَفْضُل عَلَانِيَتهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا , وَجَعَلَ صَدَقَة الْفَرِيضَة عَلَانِيَتهَا أَفْضَل مِنْ سِرّهَا يُقَال بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا , وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض وَالنَّوَافِل فِي الْأَشْيَاء كُلّهَا . 4850 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , قَالَ : ثنا
عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان يَقُول فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } قَالَ : يَقُول : هُوَ سِوَى الزَّكَاة . وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات عَلَى أَهْل الْكِتَابَيْنِ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَنِعِمَّا هِيَ , وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا فُقَرَاءَهُمْ فَهُوَ خَيْر لَكُمْ . قَالُوا : وَأَمَّا مَا أَعْطَى فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاة وَصَدَقَة تَطَوُّع فَإِخْفَاؤُهُ أَفْضَل مِنْ عَلَانِيَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4851 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْحٍ , أَنَّهُ سَمِعَ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب يَقُول : إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } فِي الصَّدَقَة عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى . 4852 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن لَهِيعَة , قَالَ : كَانَ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب يَأْمُر بِقَسْمِ الزَّكَاة فِي السِّرّ , قَالَ عَبْد اللَّه : أُحِبّ أَنْ تُعْطَى فِي الْعَلَانِيَة , يَعْنِي الزَّكَاة . وَلَمْ يَخْصُصْ اللَّه مِنْ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُوم إلَّا مَا كَانَ مِنْ زَكَاة وَاجِبَة , فَإِنَّ الْوَاجِب مِنْ الْفَرَائِض قَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ الْفَضْل فِي إعْلَانه وَإِظْهَاره سِوَى الزَّكَاة الَّتِي ذَكَرْنَا اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا مَعَ إجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَة , فَحُكْمهَا فِي أَنَّ الْفَضْل فِي أَدَائِهَا عَلَانِيَة حُكْم سَائِر الْفَرَائِض غَيْرهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ } . اخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ . فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " وَتُكَفِّر عَنْكُمْ " بِالتَّاءِ . وَمَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ . فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَتُكَفِّر الصَّدَقَات عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ . وَقَرَأَ آخَرُونَ : { وَيُكَفِّر عَنْكُمْ } بِالْيَاءِ بِمَعْنَى : وَيُكَفِّر اللَّه عَنْكُمْ بِصَدَقَاتِكُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَة مِنْ سَيِّئَاتكُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْد عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة : " وَنُكَفِّر عَنْكُمْ " بِالنُّونِ وَجَزَمَ الْحَرْف , يَعْنِي : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء نُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ , بِمَعْنَى : مُجَازَاة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَخْفِيّ الصَّدَقَة بِتَكْفِيرِ بَعْض سَيِّئَاته بِصَدَقَتِهِ الَّتِي أَخْفَاهَا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَات فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَنُكَفِّر عَنْكُمْ " بِالنُّونِ وَجَزَمَ الْحَرْف , عَلَى مَعْنَى الْخَبَر مِنْ اللَّه عَنْ نَفْسه أَنَّهُ يُجَازِي الْمَخْفِيّ صَدَقَته مِنْ التَّطَوُّع ابْتِغَاء وَجْهه مِنْ صَدَقَته بِتَكْفِيرِ سَيِّئَاته . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَجْزُوم عَلَى مَوْضِع الْفَاء فِي قَوْله : { فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } لِأَنَّ الْفَاء هُنَالِكَ حَلَّتْ مَحَلّ جَوَاب الْجَزَاء . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ اخْتَرْت الْجَزْم عَلَى النَّسَق عَلَى مَوْضِع الْفَاء , وَتَرَكْت اخْتِيَار نَسَقه عَلَى مَا بَعْد الْفَاء , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَفْصَح مِنْ الْكَلَام فِي النَّسَق عَلَى جَوَاب الْجَزَاء الرَّفْع , وَإِنَّمَا الْجَزْم تَجْوِيز ؟ قِيلَ : اخْتَرْنَا ذَلِكَ لِيُؤْذَن بِجَزْمِهِ أَنَّ التَّكْفِير , أَعْنِي تَكْفِير اللَّه مِنْ سَيِّئَات الْمُصَدِّق لَا مَحَالَة دَاخِل فِيمَا وَعَدَ اللَّه الْمُصَدِّق أَنْ يُجَازِيه بِهِ عَلَى صَدَقَته , لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا جَزَمَ مُؤَذِّن بِمَا قُلْنَا لَا مَحَالَة , وَلَوْ رُفِعَ كَانَ قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون دَاخِلًا فِيمَا وَعَدَهُ اللَّه أَنْ يُجَازِيه بِهِ , وَأَنْ يَكُون خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا أَنَّهُ يُكَفِّر مِنْ سَيِّئَات عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَلَى غَيْر الْمُجَازَاة لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى صَدَقَاتهمْ , لِأَنَّ مَا بَعْد الْفَاء فِي جَوَاب الْجَزَاء اسْتِئْنَاف , فَالْمَعْطُوف عَلَى الْخَبَر الْمُسْتَأْنَف فِي حُكْم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ غَيْر دَاخِل فِي الْجَزَاء , وَلِذَلِكَ مِنْ الْعِلَّة اخْتَرْنَا جَزْم نُكَفِّر عَطْفًا بِهِ عَلَى مَوْضِع الْفَاء مِنْ قَوْله : { فَهُوَ خَيْر لَكُمْ } وَقِرَاءَته بِالنُّونِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه دُخُول " مِنْ " فِي قَوْله : { وَنُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ } ؟ قِيلَ : وَجْه دُخُولهَا فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَنُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ مَا نَشَاء تَكْفِيره مِنْهَا دُون جَمِيعهَا , لِيَكُونَ الْعِبَاد عَلَى وَجَل مِنْ اللَّه فَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى وَعْده مَا وَعَدَ عَلَى الصَّدَقَات الَّتِي يَخْفِيهَا الْمُتَصَدِّق فَيَجْتَرِئُوا عَلَى حُدُوده وَمَعَاصِيه . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : مَعْنَى " مِنْ " الْإِسْقَاط مِنْ هَذَا الْمَوْضِع , وَيَتَأَوَّل مَعْنَى ذَلِكَ : وَنُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ فِي صَدَقَاتكُمْ مِنْ إخْفَائِهَا وَإِعْلَان وَإِسْرَار بِهَا وَإِجْهَار , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالكُمْ . { خَبِير } يَعْنِي بِذَلِكَ ذُو خِبْرَة وَعِلْم , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , فَهُوَ بِجَمِيعِهِ مُحِيط , وَلِكُلِّهِ مُحْصٍ عَلَى أَهْله حَتَّى يُوفِيهِمْ ثَوَاب جَمِيعه وَجَزَاء قَلِيله وَكَثِيره .