هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) (يونس)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس } بِالْبَاءِ , بِمَعْنَى : عِنْد ذَلِكَ تُخْتَبَر كُلّ نَفْس بِمَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ . وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلهُ كَذَلِكَ مُجَاهِد . 13686 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : تُخْتَبَر . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَبَعْض أَهْل الْحِجَاز : " تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ " بِالتَّاءِ . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ وَتَأْوِيله : هُنَالِكَ تَتْبَع كُلّ نَفْس مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْم . وَرُوِيَ بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْه وَسَنَد غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ : " يُمَثَّل لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمْ النَّار " قَالَ : ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة : { هُنَالِكَ تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : تَتْلُو كِتَاب حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , يَعْنِي تَقْرَأ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَنُخْرِج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } 17 13 وَقَالَ آخَرُونَ : تَبْلُو : تُعَايِن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13687 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : مَا عَمِلَتْ . تَبْلُو : تُعَايِنهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء , وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنْ مَنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَة مَا أَسْلَفَ مِنْ الْعَمَل فِي الدُّنْيَا , هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِده , فَيُخْبَر هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالِح أَوْ سَيِّئ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّ مِنْ خَيْر مَنْ أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَاله فِي الْآخِرَة , فَإِنَّمَا يُخْبَر بَعْد مَصِيره إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلْمه , فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِع مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَله مُخْتَبِر لَهُ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ كَمَا وَصَفْنَا فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ } فَإِنَّهُ يَقُول : وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمئِذٍ إِلَى اللَّه الَّذِي هُوَ رَبّهمْ وَمَالِكهمْ الْحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ دُون مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَاب مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد .
يَقُول : وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ مِنْ الْفِرْيَة وَالْكَذِب عَلَى اللَّه بِدَعْوَاهُمْ أَوْثَانهمْ أَنَّهَا لِلَّهِ شُرَكَاء , وَأَنَّهَا تُقَرِّبهُمْ مِنْهُ زُلْفَى . كَمَا : 13688 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } قَالَ : مَا كَانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ الْآلِهَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَنْدَادًا وَآلِهَة مَعَ اللَّه اِفْتِرَاء وَكَذِبًا .