طباعة الصفحة | تفسير الطبري - سورة التوبة - الآية 106

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) (التوبة)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْكُمْ حِين شَخَصْتُمْ لِعَدُوِّكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ آخَرُونَ . وَرَفَعَ قَوْله آخَرُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْله : { وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَر سَيِّئًا } . { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ } يَعْنِي مُرْجِئُونَ لِأَمْرِ اللَّه وَقَضَائِهِ , يُقَال مِنْهُ أَرْجَأْته أُرْجِئهُ إِرْجَاء وَهُوَ مُرْجَأ بِالْهَمْزِ وَتُرِكَ الْهَمْز , وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِد , وَقَدْ قَرَأْت الْقُرَّاء بِهِمَا جَمِيعًا . وَقِيلَ : عُنِيَ بِهَؤُلَاءِ الْآخَرِينَ نَفَر مِمَّنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك , فَنَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَلَمْ يَعْتَذِرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مُقَدَّمه , وَلَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسهمْ بِالسَّوَارِي , فَأَرْجَأَ اللَّه أَمْرهمْ إِلَى أَنْ صَحَّتْ تَوْبَتهمْ , فَتَابَ عَلَيْهِمْ وَعَفَا عَنْهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13352 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَكَانَ ثَلَاثَة مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوه تَبُوك - لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسهمْ بِالسَّوَارِي أَرْجَئُوا سِبْتَة لَا يَدْرُونَ أَيُعَذَّبُونَ أَوْ يُتَاب عَلَيْهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ } 9 117 إِلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } . 9 117 13353 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة - يَعْنِي قَوْله : { خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } - أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْوَالهمْ - يَعْنِي مِنْ أَمْوَال أَبِي لُبَابَة وَصَاحِبَيْهِ - فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنْهُمْ , وَبَقِيَ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا لُبَابَة , وَلَمْ يُوثَقُوا , وَلَمْ يَذْكُرُوا بِشَيْءٍ , وَلَمْ يَنْزِل عُذْرهمْ , وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ . وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه إِمَّا يُعَذِّبهُمْ وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم } فَجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ : هَلَكُوا إِذْ لَمْ يَنْزِل لَهُمْ عُذْرًا وَجَعَلَ آخَرُونَ يَقُولُونَ : عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِر لَهُمْ ! فَصَارُوا مُرْجِئِينَ لِأَمْرِ اللَّه , حَتَّى نَزَلَتْ : { لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة } الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى الشَّام { مِنْ بَعْد مَا كَادَ يَزِيغ قُلُوب فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوف رَحِيم } . ثُمَّ قَالَ : { وَعَلَى الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا } يَعْنِي الْمُرْجِئِينَ لِأَمْرِ اللَّه نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ التَّوْبَة فَعَمُوا بِهَا , فَقَالَ : { حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسهمْ } إِلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } . 13354 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن عَمْرو , عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } قَالَ : هُمْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا . 13355 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } قَالَ : هِلَال بْن أُمَيَّة وَمَرَارَة بْن الرَّبِيع وَكَعْب بْن مَالِك مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج. * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لَأَمَرَ اللَّه } هِلَال بْن أُمَيَّة وَمَرَارَة بْن الرَّبِيع وَكَعْب بْن مَالِك مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج . * - قَالَ : ثنا إِسْحَاق قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 13356 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله . 13357 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } هُمْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ التَّوْبَة - يُرِيد غَيْر أَبِي لُبَابَة وَأَصْحَابه - وَلَمْ يُنْزِل اللَّه عُذْرهمْ , فَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ . وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَة تَقُول : هَلَكُوا حِين لَمْ يُنْزِل اللَّه فِيهِمْ مَا أَنْزَلَ فِي أَبِي لُبَابَة وَأَصْحَابه , وَتَقُول فِرْقَة أُخْرَى : عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُو عَنْهُمْ ! وَكَانُوا مُرْجِئِينَ لِأَمْرِ اللَّه . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه رَحْمَته وَمَغْفِرَته , فَقَالَ : { لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ } 9 117 الْآيَة , وَأَنْزَلَ اللَّه : { وَعَلَى الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا } الْآيَة . 13358 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } قَالَ : كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُمْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا : كَعْب بْن مَالِك , وَهِلَال بْن أُمَيَّة , وَمَرَارَة بْن الرَّبِيع , رَهْط مِنْ الْأَنْصَار . 13359 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه } قَالَ : هُمْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا . 13360 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه إِمَّا يُعَذِّبهُمْ وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ } وَهُمْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا , وَأَرْجَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرهمْ حَتَّى أَتَتْهُمْ تَوْبَتهمْ مِنْ اللَّه .

وَأَمَّا قَوْله : { إِمَّا يُعَذِّبهُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِمَّا أَنْ يَحْجِزهُمْ اللَّه عَنْ التَّوْبَة بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ فَيُعَذِّبهُمْ بِذُنُوبِهِمْ الَّتِي مَاتُوا عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة.

{ وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ } يَقُول : وَإِمَّا يُوَفِّقهُمْ لِلتَّوْبَةِ فَيَتُوبُوا مِنْ ذُنُوبهمْ , فَيَغْفِر لَهُمْ.

{ وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم } يَقُول : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِأَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ التَّوْبَة وَالْمُقَام عَلَى الذَّنْب , حَكِيم فِي تَدْبِيرهمْ وَتَدْبِير مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ خَلْقه , لَا يَدْخُل حُكْمه خَلَل.

21/5/2026 2:05:16
المصدر: https://wahaqouran.com/t-9-3-106.html