طباعة الصفحة | تفسير الطبري - سورة النساء - الآية 26

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) (النساء)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّن لَكُمْ } حَلَاله وَحَرَامه , { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول وَلِيُسَدِّدكُمْ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , يَعْنِي : سُبُل مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَمَنَاهِجهمْ , فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنْ نِكَاح الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات , وَسَائِر مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَيَّنَ فِيهِمَا مَا حَرَّمَ مِنْ النِّسَاء . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى قَوْله : { يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّن لَكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ , يُرِيد اللَّه هَذَا مِنْ أَجْل أَنْ يُبَيِّن لَكُمْ , وَقَالَ : ذَلِكَ كَمَا قَالَ : { وَأُمِرْت لِأَعْدِل بَيْنكُمْ } 42 15 بِكَسْرِ اللَّام , لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أُمِرْت بِهَذَا مِنْ أَجْل ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : يُرِيد اللَّه أَنْ يُبَيِّن لَكُمْ , وَيَهْدِيَكُمْ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ ; وَقَالُوا : مِنْ شَأْن الْعَرَب التَّعْقِيب بَيْن كَيْ وَلَام كَيْ وَأَنْ , وَوَضْعُ كُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ مَوْضِع كُلّ وَاحِدَة مِنْ أُخْتهَا مَعَ أَرَدْت وَأَمَرْت , فَيَقُولُونَ : أَمَرْتُك أَنْ تَذْهَب وَلِتَذْهَب , وَأَرَدْت أَنْ تَذْهَب وَلِتَذْهَب , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } 6 71 وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " أُمِرْت أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ " 6 14 , وَكَمَا قَالَ : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُور اللَّه } 61 8 ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا } 9 32 وَاعْتَلُّوا فِي تَوْجِيههمْ " أَنْ " مَعَ " أَمَرْت " و " أَرَدْت " إِلَى مَعْنَى " كَيْ " وَتَوْجِيه " كَيْ " مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى " أَنْ " لِطَلَبِ " أَرَدْت " و " أَمَرْت " الِاسْتِقْبَال , وَأَنَّهَا لَا يَصْلُح مَعَهَا الْمَاضِي , لَا يُقَال : أَمَرْتُك أَنْ قُمْت وَلَا أَرَدْت أَنْ قُمْت. قَالُوا : فَلَمَّا كَانَتْ " أَنْ " قَدْ تَكُون مَعَ الْمَاضِي فِي غَيْر " أَرَدْت " و " أَمَرْت " , ذَكَرُوا لَهَا مَعْنَى الِاسْتِقْبَال بِمَا لَا يَكُون مَعَهُ مَاضٍ مِنْ الْأَفْعَال بِحَالٍ , مِنْ " كَيْ " وَاللَّام الَّتِي فِي مَعْنَى " كَيْ " ; قَالُوا : وَكَذَلِكَ جَمَعَتْ الْعَرَب بَيْنهنَّ أَحْيَانًا فِي الْحَرْف الْوَاحِد , فَقَالَ قَائِلهمْ فِي الْجَمْع : أَرَدْت لِكَيْمَا أَنْ تَطِير بِقِرْبَتِي فَتَتْرُكهَا شَنًّا بِبَيْدَاء بَلْقَع فَجَمَعَ بَيْنهنَّ لِاتِّفَاقِ مَعَانِيهنَّ وَاخْتِلَاف أَلْفَاظهنَّ , كَمَا قَالَ الْآخَر : قَدْ يَكْسِب الْمَال الْهِدَانُ الْجَافِي بِغَيْرِ لَا عَصْف وَلَا اِصْطِرَاف فَجَمَعَ بَيْن " غَيْر " و " لَا " , تَوْكِيدًا لِلنَّفْيِ ; قَالُوا : وَإِنَّمَا يَجُوز أَنْ يَجْعَل " أَنْ " مَكَان كَيْ , وَكَيْ مَكَان أَنْ فِي الْأَمَاكِن الَّتِي لَا يَصْحَب جَالِب ذَلِكَ مَاضٍ مِنْ الْأَفْعَال أَوْ غَيْر الْمُسْتَقْبَل ; فَأَمَّا مَا صَحِبَهُ مَاضٍ مِنْ الْأَفْعَال وَغَيْر الْمُسْتَقْبَل فَلَا يَجُوز ذَلِكَ . لَا يَجُوز عِنْدهمْ أَنْ يُقَال : ظَنَنْت لِيَقُومَ , وَلَا أَظُنّ لِيَقُومَ , بِمَعْنَى : أَظُنّ أَنْ يَقُوم , لِأَنَّ الَّتِي تَدْخُل مَعَ الظَّنّ تَكُون مَعَ الْمَاضِي مِنْ الْفِعْل , يُقَال : أَظُنّ أَنْ قَدْ قَامَ زَيْد وَمَعَ الْمُسْتَقْبَل وَمَعَ الْأَسْمَاء. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّام فِي قَوْله , { يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } بِمَعْنَى : يُرِيد اللَّه أَنْ يُبَيِّن لَكُمْ ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ عِلَّة مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ .

يَقُول : يُرِيد اللَّه أَنْ يَرْجِع بِكُمْ إِلَى طَاعَته فِي ذَلِكَ مِمَّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَته فِي فِعْلكُمْ ذَلِكَ قَبْل الْإِسْلَام , وَقَبْل أَنْ يُوحِيَ مَا أَوْحَى إِلَى نَبِيّه مِنْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لِيَتَجَاوَز لَكُمْ بِتَوْبَتِكُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ قَبِيح ذَلِكَ قَبْل إِنَابَتكُمْ وَتَوْبَتكُمْ .

يَقُول : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَا يُصْلِح عِبَاده فِي أَدْيَانهمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ , وَبِمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ مَا أَحَلَّ أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ حَافِظ ذَلِكَ كُلّه عَلَيْهِمْ , حَكِيم بِتَدْبِيرِهِ فِيهِمْ فِي تَصْرِيفهمْ فِيمَا صَرَّفَهُمْ فِيهِ .

21/5/2026 12:58:54
المصدر: https://wahaqouran.com/t-4-3-26.html