مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (4) (آل عمران)
{ مِنْ قَبْل } يَقُول : مِنْ قَبْل الْكِتَاب الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَيْك . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { هُدًى لِلنَّاسِ } بَيَانًا لِلنَّاسِ مِنْ اللَّه , فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَتَصْدِيق رُسُله , وَمُفِيدًا يَا مُحَمَّد أَنَّك نَبِيِّي وَرَسُولِي , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ شَرَائِع دِين اللَّه . كَمَا : 5150 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ
مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل } التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى , وَالْإِنْجِيل عَلَى عِيسَى , كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُب عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلهمَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَأَنْزَلَ الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , فِيمَا اِخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَحْزَاب وَأَهْل الْمِلَل فِي أَمْر عِيسَى وَغَيْره وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْفُرْقَان إِنَّمَا هُوَ الْفُعْلَان مِنْ قَوْلهمْ : فَرَّقَ اللَّه بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل يَفْصِل بَيْنهمَا بِنَصْرِهِ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل ; إِمَّا بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَة , وَإِمَّا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة بِالْأَيْدِي وَالْقُوَّة . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , غَيْر أَنَّ بَعْضهمْ وَجَّهَ تَأْوِيله إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فِي أَمْر عِيسَى , وَبَعْضهمْ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فِي أَحْكَام الشَّرَائِع . ذِكْر مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فِي أَمْر عِيسَى وَالْأَحْزَاب : 5151 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان } أَيْ الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , فِيمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَاب مِنْ أَمْر عِيسَى وَغَيْره . ذِكْر مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فِي الْأَحْكَام وَشَرَائِع الْإِسْلَام : 5152 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان } هُوَ الْقُرْآن أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد وَفَرَّقَ بِهِ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , فَأَحَلَّ فِيهِ حَلَاله , وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامه , وَشَرَّعَ فِيهِ شَرَائِعه , وَحَدَّ فِيهِ حُدُوده , وَفَرَضَ فِيهِ فَرَائِضه , وَبَيَّنَ فِيهِ بَيَانه , وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ , وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَته . 5153 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان } قَالَ : الْفُرْقَان : الْقُرْآن فَرَّقَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل . وَالتَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر فِي ذَلِكَ , أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَة وَالرَّبِيع , وَأَنْ يَكُون مَعْنَى الْفُرْقَان فِي هَذَا الْمَوْضِع : فَصْل اللَّه بَيْن نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي أَمْر عِيسَى وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوره بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَة الْقَاطِعَة عُذْرهمْ وَعُذْر نُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ إِخْبَار اللَّه عَنْ تَنْزِيله الْقُرْآن قَبْل إِخْبَاره عَنْ تَنْزِيله التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فِي هَذِهِ الْآيَة قَدْ مَضَى بِقَوْلِهِ : { نَزَّلَ عَلَيْك الْكِتَاب بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ } وَلَا شَكّ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَاب هُوَ الْقُرْآن لَا غَيْره , فَلَا وَجْه لِتَكْرِيرِهِ مَرَّة أُخْرَى , إِذْ لَا فَائِدَة فِي تَكْرِيره , لَيْسَتْ فِي ذِكْره إِيَّاهُ وَخَبَره عَنْهُ اِبْتِدَاء .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه لَهُمْ عَذَاب شَدِيد , وَاَللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا أَعْلَام اللَّه وَأَدِلَّته عَلَى تَوْحِيده وَأُلُوهَته , وَأَنَّ عِيسَى عَبْد لَهُ وَاِتَّخَذُوا الْمَسِيح إِلَهًا وَرَبًّا , أَوْ اِدَّعُوهُ لِلَّهِ وَلَدًا , { لَهُمْ عَذَاب } مِنْ اللَّه { شَدِيد } يَوْم الْقِيَامَة , وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الَّذِينَ جَحَدُوا آيَات اللَّه . وَآيَات اللَّه : أَعْلَام اللَّه وَأَدِلَّته وَحُجَجه . وَهَذَا الْقَوْل مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , يُنْبِئ عَنْ مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ الْفَصْل الَّذِي هُوَ حُجَّة لِأَهْلِ الْحَقّ عَلَى أَهْل الْبَاطِل لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه } يَعْنِي : أَنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا ذَلِكَ الْفَصْل وَالْفُرْقَان الَّذِي أَنْزَلَهُ فَرْقًا بَيْن الْمُحِقّ وَالْمُبْطِل , { لَهُمْ عَذَاب شَدِيد } وَعِيد مِنْ اللَّه لِمَنْ عَانَدَ الْحَقّ بَعْد وُضُوحه لَهُ , وَخَالَفَ سَبِيل الْهُدَى بَعْد قِيَام الْحُجَّة
عَلَيْهِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَزِيز فِي سُلْطَانه لَا يَمْنَعهُ مَانِع مِمَّنْ أَرَادَ عَذَابه مِنْهُمْ , وَلَا يَحُول بَيْنه وَبَيْنه حَائِل , وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يُعَانِدهُ فِيهِ أَحَد , وَأَنَّهُ ذُو اِنْتِقَام مِمَّنْ جَحَدَ حُجَجه وَأَدِلَّته , بَعْد ثُبُوتهَا عَلَيْهَا , وَبَعْد وُضُوحهَا لَهُ وَمَعْرِفَته بِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5154 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه لَهُمْ عَذَاب شَدِيد وَاَللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام } أَيْ أَنَّ اللَّه مُنْتَقِم مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ بَعْد عِلْمه بِهَا , وَمَعْرِفَته بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا . 5155 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه لَهُمْ عَذَاب شَدِيد وَاَللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام }