فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) (طه)
لَمَّا عَرَفَ الْعِبَاد عَظِيم نِعَمه , وَإِنْزَال الْقُرْآن نَزَّهَ نَفْسه عَنْ الْأَوْلَاد وَالْأَنْدَاد فَقَالَ : " فَتَعَالَى اللَّه " أَيْ جَلَّ اللَّه الْمَلِك الْحَقّ ; أَيْ ذُو الْحَقّ .
عَلَّمَ نَبِيّه كَيْفَ يَتَلَقَّى الْقُرْآن . قَالَ اِبْن عَبَّاس كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُبَادِر جِبْرِيل فَيَقْرَأ قَبْل أَنْ يَفْرُغ جِبْرِيل مِنْ الْوَحْي حِرْصًا عَلَى الْحِفْظ , وَشَفَقَة عَلَى الْقُرْآن مَخَافَة النِّسْيَان , فَنَهَاهُ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَأَنْزَلَ " وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ " وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك لِتَعْجَلَ بِهِ " [ الْقِيَامَة : 16 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : لَا تَتْلُهُ قَبْل أَنْ تَتَبَيَّنهُ . وَقِيلَ : " وَلَا تَعْجَل " أَيْ لَا تَسَلْ إِنْزَاله " مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى " أَيْ يَأْتِيك " وَحْيه " . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تُلْقِهِ إِلَى النَّاس قَبْل أَنْ يَأْتِيك بَيَان تَأْوِيله .
قَالَ الْحَسَن : نَزَلَتْ فِي رَجُل لَطَمَ وَجْه اِمْرَأَته ; فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْلُب الْقِصَاص , فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا الْقِصَاص فَنَزَلَ " الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء " [ النِّسَاء 34 ] وَلِهَذَا قَالَ : " وَقُلْ رَبّ زِدْنِي عِلْمًا " أَيْ فَهْمًا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَأَبَى اللَّه ذَلِكَ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره " مِنْ قَبْل أَنْ نَقْضِي " بِالنُّونِ وَكَسْر الضَّاد " وَحْيه " بِالنَّصْبِ .