طباعة الصفحة | تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 95

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) (البقرة)

تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ . وَأَيْضًا لَوْ تَمَنَّوْا الْمَوْت لَمَاتُوا , كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَوْ أَنَّ الْيَهُود تَمَنَّوْا الْمَوْت لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَامهمْ مِنْ النَّار ) . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه صَرَفَهُمْ عَنْ إِظْهَار التَّمَنِّي , وَقَصَرَهُمْ عَلَى الْإِمْسَاك لِيَجْعَل ذَلِكَ آيَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَوْجُه فِي تَرْكهمْ التَّمَنِّي . وَحَكَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " فَتَمَنَّوْا الْمَوْت " أَنَّ الْمُرَاد اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَكْذَب الْفَرِيقَيْنِ مِنَّا وَمِنْكُمْ , فَمَا دَعَوْا لِعِلْمِهِمْ بِكَذِبِهِمْ .

فَإِنْ قِيلَ : فَالتَّمَنِّي يَكُون بِاللِّسَانِ تَارَة وَبِالْقَلْبِ أُخْرَى , فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَنَّوْهُ بِقُلُوبِهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ : نَطَقَ الْقُرْآن بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ " وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا " وَلَوْ تَمَنَّوْهُ بِقُلُوبِهِمْ لَأَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ رَدًّا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْطَالًا لِحُجَّتِهِ , وَهَذَا بَيِّن . " أَبَدًا " ظَرْف زَمَان يَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير , كَالْحِينِ وَالْوَقْت , وَهُوَ هُنَا مِنْ أَوَّل الْعُمُر إِلَى الْمَوْت . و " مَا " فِي قَوْله " بِمَا " بِمَعْنَى الَّذِي وَالْعَائِد مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير قَدَّمَتْهُ , وَتَكُون مَصْدَرِيَّة وَلَا تَحْتَاج إِلَى عَائِد . و " أَيْدِيهمْ " فِي مَوْضِع رَفْع , حُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ الْيَاء لِثِقَلِهَا مَعَ الْكَسْرَة , وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِع نَصْب حَرَّكْتهَا ; لِأَنَّ النَّصْب خَفِيف , وَيَجُوز إِسْكَانهَا فِي الشِّعْر . " وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ " اِبْتِدَاء وَخَبَر .

21/5/2026 4:04:00
المصدر: https://wahaqouran.com/t-2-4-95.html