طباعة الصفحة | تفسير القرطبي - سورة يوسف - الآية 96

فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) (يوسف)

" عَلَى وَجْهه " أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ . و " أَنْ " زَائِدَة , وَالْبَشِير قِيلَ هُوَ شَمْعُون . وَقِيلَ : يَهُوذَا قَالَ : أَنَا أَذْهَب بِالْقَمِيصِ الْيَوْم كَمَا ذَهَبْت بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ السُّدِّيّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْت إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَة فَدَعُونِي أَذْهَب إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَة . وَقَالَ يَحْيَى بْن يَمَان عَنْ سُفْيَان : لَمَّا جَاءَ الْبَشِير إِلَى يَعْقُوب قَالَ لَهُ : عَلَى أَيّ دِين تَرَكْت يُوسُف ؟ قَالَ : عَلَى الْإِسْلَام ; قَالَ : الْآن تَمَّتْ النِّعْمَة ; وَقَالَ الْحَسَن : لَمَّا وَرَدَ الْبَشِير عَلَى يَعْقُوب لَمْ يَجِد عِنْده شَيْئًا يُثِيبهُ بِهِ ; فَقَالَ : وَاَللَّه مَا أَصَبْت عِنْدنَا شَيْئًا ; وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْع لَيَالٍ , وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّه عَلَيْك سَكَرَات الْمَوْت .

قُلْت : وَهَذَا الدُّعَاء مِنْ أَعْظَم مَا يَكُون مِنْ الْجَوَائِز , وَأَفْضَل الْعَطَايَا وَالذَّخَائِر . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى جَوَاز الْبَذْل وَالْهِبَات عِنْد الْبَشَائِر . وَفِي الْبَاب حَدِيث كَعْب بْن مَالِك - الطَّوِيل - وَفِيهِ : " فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْت صَوْته يُبَشِّرنِي نَزَعْت ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتهمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ " وَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّة الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا , وَكِسْوَة كَعْب ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنه لَيْسَ لَهُ غَيْرهمَا دَلِيل عَلَى جَوَاز مِثْل ذَلِكَ إِذَا اِرْتَجَى حُصُول مَا يَسْتَبْشِر بِهِ . وَهُوَ دَلِيل عَلَى جَوَاز إِظْهَار الْفَرَح بَعْد زَوَال الْغَمّ وَالتَّرَح . وَمِنْ هَذَا الْبَاب جَوَاز حِذَاقَة الصِّبْيَان , وَإِطْعَام الطَّعَام فِيهَا , قَدْ نَحَرَ عُمَر بَعْد حِفْظه سُورَة " الْبَقَرَة " جَزُورًا . وَاَللَّه أَعْلَم .


ذَكَّرَهُمْ قَوْله : " إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنْ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ يُوسُف : 86 ] .

5/7/2026 11:20:22
المصدر: https://wahaqouran.com/t-12-4-96.html