فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) (العاديات)
قَالَ عِكْرِمَة وَعَطَاء وَالضَّحَّاك : هِيَ الْخَيْل حِين تُورِي النَّار بِحَوَافِرِهَا , وَهِيَ سَنَابِكهَا ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا : أَوْرَتْ بِحَوَافِرِهَا غُبَارًا . وَهَذَا يُخَالِف سَائِر مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي قَدْح النَّار ; وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْإِبِل . وَرَوَى اِبْن نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " وَالْعَادِيَات ضَبْحًا . فَالْمُورَيَات قَدْحًا " قَالَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ فِي الْقِتَال وَهُوَ فِي الْحَجّ . اِبْن مَسْعُود : هِيَ الْإِبِل تَطَأ الْحَصَى , فَتَخْرُج مِنْهَا النَّار . وَأَصْل الْقَدْح الِاسْتِخْرَاج ; وَمِنْهُ قَدَحْت الْعَيْن : إِذَا أَخْرَجْت مِنْهَا الْمَاء الْفَاسِد . وَاقْتَدَحْت بِالزَّنْدِ . وَاقْتَدَحْت الْمَرَق : غَرَفْته . وَرَكِيّ قَدُوح : تَغْتَرِف بِالْيَدِ . وَالْقَدِيح : مَا يَبْقَى فِي أَسْفَل الْقِدْر , فَيُغْرَف بِجَهْدٍ . وَالْمِقْدَحَة : مَا تُقْدَح بِهِ النَّار . وَالْقَدَّاحَة وَالْقَدَّاح : الْحَجَر الَّذِي يُورِي النَّار . يُقَال : وَرَى الزَّنْد ( بِالْفَتْحِ ) يَرِي وَرْيًا : إِذَا خَرَجَتْ نَاره . وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى : وَرِيَ الزَّنْد ( بِالْكَسْرِ ) يَرِي فِيهِمَا . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَة " الْوَاقِعَة " . وَ " قَدْحًا " اُنْتُصِبَ بِمَا انْتُصِبَ بِهِ " ضَبْحًا " . وَقِيلَ : هَذِهِ الْآيَات فِي الْخَيْل ; وَلَكِنَّ إِيرَاءَهَا : أَنْ تُهَيِّج الْحَرْب بَيْن أَصْحَابهَا وَبَيْن عَدُوّهُمْ . وَمِنْهُ يُقَال لِلْحَرْبِ إِذَا اِلْتَحَمَتْ : حَمِيَ الْوَطِيس . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه " [ الْمَائِدَة : 64 ] . وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , وَقَالَهُ قَتَادَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , وَقَالَهُ قَتَادَة .
وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُورَيَاتِ قَدْحًا : مَكْر الرِّجَال فِي الْحَرْب ; وَقَالَهُ مُجَاهِد وَزَيْد بْن أَسْلَمَ . وَالْعَرَب تَقُول إِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يَمْكُر بِصَاحِبِهِ : وَاَللَّه لَأَمْكُرَنَّ بِك , ثُمَّ لَأُورِيَنَّ لَك . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : هُمْ الَّذِينَ يَغْزُونَ فَيُورُونَ نِيرَانهمْ بِاللَّيْلِ , لِحَاجَتِهِمْ وَطَعَامهمْ . وَعَنْهُ أَيْضًا : أَنَّهَا نِيرَان الْمُجَاهِدِينَ إِذَا كَثُرَتْ نَارهَا إِرْهَابًا . وَكُلّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْعَدُوّ يُوقِد نِيرَانًا كَثِيرَة لِيَظُنّهُمْ الْعَدُوّ كَثِيرًا . فَهَذَا إِقْسَام بِذَلِكَ . قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : هِيَ النَّار تُجْمَع . وَقِيلَ هِيَ أَفْكَار الرِّجَال تُورِي نَار الْمَكْر وَالْخَدِيعَة . وَقَالَ عِكْرِمَة : هِيَ أَلْسِنَة الرِّجَال تُورِي النَّار مِنْ عَظِيم مَا تَتَكَلَّم بِهِ , وَيَظْهَر بِهَا مِنْ إِقَامَة الْحُجَج , وَإِقَامَة الدَّلَائِل , وَإِيضَاح الْحَقّ , وَإِبْطَال الْبَاطِل . وَرَوَى اِبْن جُرَيْح عَنْ بَعْضهمْ قَالَ : فَالْمُنْجِحَات أَمْرًا وَعَمَلًا , كَنَجَاحِ الزَّنْد إِذَا أَوُرِيَ . قُلْت : هَذِهِ الْأَقْوَال مَجَاز ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان يُورِي زِنَاد الضَّلَالَة . وَالْأَوَّل : الْحَقِيقَة , وَأَنَّ الْخَيْل مِنْ شِدَّة عَدْوهَا تَقْدَح النَّار بِحَوَافِرِهَا . قَالَ مُقَاتِل : الْعَرَب تُسَمِّي تِلْكَ النَّار نَار أَبِي حُبَاحِب , وَكَانَ أَبُو حُبَاحِب شَيْخًا مِنْ مُضَر فِي الْجَاهِلِيَّة , مِنْ أَبْخَل النَّاس , وَكَانَ لَا يُوقِد نَارًا لِخُبْزٍ وَلَا غَيْره حَتَّى تَنَام الْعُيُون , فَيُوقِد نُوَيْرَة تَقِد مَرَّة وَتَخْمَد أُخْرَى ; فَإِنْ اِسْتَيْقَظَ لَهَا أَحَد أَطْفَأَهَا , كَرَاهِيَة أَنْ يَنْتَفِع بِهَا أَحَد . فَشَبَّهَتْ الْعَرَب هَذِهِ النَّار بِنَارِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْتَقَع بِهَا . وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ السَّيْف عَلَى الْبَيْضَة فَاقْتَدَحَتْ نَارًا , فَكَذَلِكَ يُسَمُّونَهَا . قَالَ النَّابِغَة : وَلَا عَيْب فِيهِمْ غَيْر أَنَّ سُيُوفهمْ بِهِنَّ فُلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِب تَقُدّ السَّلُوقِيّ الْمُضَاعَف نَسْجه وَتُوقِد بِالصُّفَّاحِ نَارًا لِحُبَاحِبِ