يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) (التوبة) خَبَر وَلَيْسَ بِأَمْرٍ . وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ خَبَر أَنَّ مَا بَعْده " إِنَّ اللَّه مُخْرِج مَا تَحْذَرُونَ " لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا عِنَادًا . وَقَالَ السُّدِّيّ : قَالَ بَعْض الْمُنَافِقِينَ وَاَللَّه وَدِدْت لَوْ أَنِّي قُدِّمْت فَجُلِدْت مِائَة وَلَا يَنْزِل فِينَا شَيْء يَفْضَحنَا , فَنَزَلَتْ الْآيَة . " يَحْذَر " أَيْ يَتَحَرَّز . وَقَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَاهُ لِيَحْذَر , فَهُوَ أَمْر , كَمَا يُقَال : يَفْعَل ذَلِكَ . " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِنْ أَنْ تُنَزَّل . وَيَجُوز عَلَى قَوْل سِيبَوَيْهِ أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى حَذْف مِنْ . وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب مَفْعُولَة لِيَحْذَر , لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ : حَذِرْت زَيْدًا , وَأَنْشَدَ : حَذِر أُمُورًا لَا تَضِير وَآمِن مَا لَيْسَ مُنْجِيه مِنْ الْأَقْدَار وَلَمْ يُجِزْهُ الْمُبَرِّد , لِأَنَّ الْحَذَر شَيْء فِي الْهَيْئَة . وَمَعْنَى " عَلَيْهِمْ " أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْن الْمُنَافِقِينَ تُخْبِرهُمْ بِمَخَازِيهِمْ وَمَسَاوِيهِمْ وَمَثَالِبهمْ , وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْفَاضِحَة وَالْمُثِيرَة وَالْمُبَعْثِرَة , كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة . وَقَالَ الْحَسَن : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَة الْحَفَّارَة لِأَنَّهَا حَفَرَتْ مَا فِي قُلُوب الْمُنَافِقِينَ فَأَظْهَرَتْهُ . هَذَا أَمْر وَعِيد وَتَهْدِيد . أَيْ مُظْهِر " مَا تَحْذَرُونَ " ظُهُوره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْزَلَ اللَّه أَسْمَاء الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا , ثُمَّ نَسَخَ تِلْكَ الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن رَأْفَة مِنْهُ وَرَحْمَة , لِأَنَّ أَوْلَادهمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَالنَّاس يُعَيِّر بَعْضهمْ بَعْضًا . فَعَلَى هَذَا قَدْ أَنْجَزَ اللَّه وَعْده بِإِظْهَارِهِ ذَلِكَ إِذْ قَالَ : " إِنَّ اللَّه مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ " . وَقِيلَ : إِخْرَاج اللَّه أَنَّهُ عَرَّفَ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَحْوَالهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقُرْآن , وَلَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل " [ مُحَمَّد : 30 ] وَهُوَ نَوْع إِلْهَام . وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَتَرَدَّد وَلَا يَقْطَع بِتَكْذِيبِ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا بِصِدْقِهِ . وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِف صِدْقه وَيُعَانِد .