وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) (الأنفال) الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : وَإِنْ يَعُدْ هَؤُلَاءِ لِحَرْبِك , فَقَدْ رَأَيْتُمْ سُنَّتِي فِيمَنْ قَاتَلَكُمْ مِنْهُمْ يَوْم بَدْر , وَأَنَا عَائِد بِمِثْلِهَا فِيمَنْ حَارَبَكُمْ مِنْهُمْ , فَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُون شِرْك وَلَا يُعْبَد إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , فَيَرْتَفِع الْبَلَاء عَنْ عِبَاد اللَّه مِنْ الْأَرْض وَهُوَ الْفِتْنَة , { وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } يَقُول : حَتَّى تَكُون الطَّاعَة وَالْعِبَادَة كُلّهَا لِلَّهِ خَالِصَة دُون غَيْره . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12474 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } يَعْنِي : حَتَّى لَا يَكُون شِرْك . 12475 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } قَالَ : الْفِتْنَة : الشِّرْك . 12476 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } يَقُول : قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُون شِرْك , و { وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } حَتَّى يُقَال : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , عَلَيْهَا قَاتَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِلَيْهَا دَعَا . 12477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } قَالَ : حَتَّى لَا يَكُون شِرْك . 12478 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } قَالَ : حَتَّى لَا يَكُون بَلَاء . 12479 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } أَيْ لَا يَفْتُر مُؤْمِن عَنْ دِينه , وَيَكُون التَّوْحِيد لِلَّهِ خَالِصًا لَيْسَ فِيهِ شِرْك , وَيَخْلَع مَا دُونه مِنْ الْأَنْدَاد . 12480 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } قَالَ : حَتَّى لَا يَكُون كُفْر , { وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } لَا يَكُون مَعَ دِينكُمْ كُفْر . 12481 - حَدَّثَنِي عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلهُ عَنْ أَشْيَاء , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُرْوَة : سَلَام عَلَيْك ! فَإِنِّي أَحْمَد اللَّه إِلَيْك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ! أَمَّا بَعْد : فَإِنَّك كَتَبْت إِلَيَّ تَسْأَلنِي عَنْ مَخْرَج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , وَسَأُخْبِرُك بِهِ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ : كَانَ مِنْ شَأْن خُرُوج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , أَنَّ اللَّه أَعْطَاهُ النُّبُوَّة , فَنِعْمَ النَّبِيّ وَنِعْمَ السَّيِّد , وَنِعْمَ الْعَشِيرَة ! فَجَزَاهُ اللَّه خَيْرًا وَعَرَّفَنَا وَجْهه فِي الْجَنَّة , وَأَحْيَانَا عَلَى مِلَّته , وَأَمَاتَنَا عَلَيْهَا , وَبَعَثَنَا عَلَيْهَا . وَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا قَوْمه لِمَا بَعَثَهُ اللَّه لَهُ مِنْ الْهُدَى وَالنُّور الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ , لَمْ يَنْفِرُوا مِنْهُ أَوَّل مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ , وَكَانُوا يَسْمَعُونَ لَهُ حَتَّى ذَكَرَ طَوَاغِيتهمْ . وَقَدِمَ نَاس مِنْ الطَّائِف مِنْ قُرَيْش لَهُمْ أَمْوَال , أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَاس , وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِ , وَكَرِهُوا مَا قَالَ , وَأَغْرَوْا بِهِ مَنْ أَطَاعَهُمْ , فَانْعَطَفَ عَنْهُ عَامَّة النَّاس , فَتَرَكُوهُ , إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّه مِنْهُمْ وَهُمْ قَلِيل . فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّه أَنْ يَمْكُث , ثُمَّ اِئْتَمَرَتْ رُءُوسهمْ بِأَنْ يَفْتِنُوا مَنْ اِتَّبَعَهُ عَنْ دِين اللَّه مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانهمْ وَقَبَائِلهمْ , فَكَانَتْ فِتْنَة شَدِيدَة الزِّلْزَال , فَافْتَتَنَ مَنْ اِفْتَتَنَ , وَعَصَمَ اللَّه مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ . فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْض الْحَبَشَة , وَكَانَ بِالْحَبَشَةِ مَلِك صَالِح يُقَال لَهُ النَّجَاشِيّ لَا يُظْلَم أَحَد بِأَرْضِهِ , وَكَانَ يُثْنَى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ . وَكَانَتْ أَرْض الْحَبَشَة مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ يَتَّجِرُونَ فِيهَا , وَمَسَاكِن لِتِجَارَتِهِمْ يَجِدُونَ فِيهَا رَتَاعًا مِنْ الرِّزْق وَأَمْنًا وَمَتْجَرًا حَسَنًا . فَأَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ إِلَيْهَا عَامَّتهمْ لَمَّا قُهِرُوا بِمَكَّة , وَخَافُوا عَلَيْهِمْ الْفِتَن , وَمَكَثَ هُوَ فَلَمْ يَبْرَح , فَمَكَثَ ذَلِكَ سَنَوَات يَشْتَدُّونَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ . ثُمَّ إِنَّهُ فَشَا الْإِسْلَام فِيهَا , وَدَخَلَ فِيهِ رِجَال مِنْ أَشْرَافهمْ وَمَنَعَتْهُمْ ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اِسْتَرْخَوْا اسْتِرْخَاءَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابه , وَكَانَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى هِيَ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَل أَرْض الْحَبَشَة مَخَافَة وَفِرَارًا مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْفِتَن وَالزِّلْزَال . فَلَمَّا اِسْتَرْخَى عَنْهُمْ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَام مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ , تَحَدَّثَ بِهَذَا الِاسْتِرْخَاء عَنْهُمْ , فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ اِسْتَرْخَى عَمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ بِمَكَّة وَأَنَّهُمْ لَا يُفْتَنُونَ , فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّة وَكَادُوا يَأْمَنُونَ بِهَا , وَجَعَلُوا يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ . وَإِنَّهُ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ نَاس كَثِير , وَفَشَا بِالْمَدِينَةِ الْإِسْلَام , وَطَفِقَ أَهْل الْمَدِينَة يَأْتُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة ; فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش ذَلِكَ , تَوَامَرَتْ عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ , وَيَشُدُّوا عَلَيْهِمْ , فَأَخَذُوهُمْ وَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ , فَأَصَابَهُمْ جَهْد شَدِيد , وَكَانَتْ الْفِتْنَة الْآخِرَة , فَكَانَتْ ثِنْتَيْنِ : فِتْنَة أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة حِين أَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوج إِلَيْهَا , وَفِتْنَة لَمَّا رَجَعُوا وَرَأَوْا مَنْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة سَبْعُونَ نَفْسًا رُءُوس الَّذِينَ أَسْلَمُوا , فَوَافَوْهُ بِالْحَجِّ , فَبَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ , وَأَعْطَوْهُ عَلَى : أَنَا مِنْك وَأَنْتَ مِنَّا , وَعَلَى : أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ أَصْحَابك أَوْ جِئْتنَا فَإِنَّا نَمْنَعك مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أَنْفُسنَا . فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ قُرَيْش عِنْد ذَلِكَ , فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَة , وَهِيَ الْفِتْنَة الْآخِرَة الَّتِي أَخْرَجَ فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه وَخَرَجَ هُوَ , وَهِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه فِيهَا : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ } . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيد : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّك كَتَبْت إِلَيَّ تَسْأَلنِي عَنْ مَخْرَج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , وَعِنْدِي بِحَمْدِ اللَّه مِنْ ذَلِكَ عِلْم بِكُلِّ مَا كَتَبْت تَسْأَلنِي عَنْهُ , وَسَأُخْبِرُك إِنْ شَاءَ اللَّه , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . 12482 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا قِيسَ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } قَالَ : يَسَاف وَنَائِلَة صَنَمَانِ كَانَا يُعْبَدَانِ. وَأَمَّا قَوْله : { فَإِنْ اِنْتَهَوْا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَإِنْ اِنْتَهَوْا عَنْ الْفِتْنَة , وَهِيَ الشِّرْك بِاَللَّهِ , وَصَارُوا إِلَى الدِّين الْحَقّ مَعَكُمْ . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَإِنْ اِنْتَهَوْا عَنْ الْقِتَال . وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ اِنْتَهَوْا عَنْ الْقِتَال , فَإِنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قِتَالهمْ حَتَّى يُسْلِمُوا . { فَإِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير } يَقُول : فَإِنَّ اللَّه لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ تَرْك الْكُفْر وَالدُّخُول فِي دِين الْإِسْلَام ; لِأَنَّهُ يُبْصِركُمْ وَيُبْصِر أَعْمَالكُمْ وَالْأَشْيَاء كُلّهَا مُتَجَلِّيَة لَهُ لَا تَغِيب عَنْهُ وَلَا يَعْزُب عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الْأَرْض وَلَا أَصْغَر مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَر إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين .