وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) (الأنعام) يَعْنِي فَوْقِيَّة الْمَكَانَة وَالرُّتْبَة لَا فَوْقِيَّة الْمَكَان وَالْجِهَة . عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه أَوَّل السُّورَة أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَة . وَالْإِرْسَال حَقِيقَته إِطْلَاق الشَّيْء بِمَا حُمِلَ مِنْ الرِّسَالَة ; فَإِرْسَال الْمَلَائِكَة بِمَا حَمَلُوا مِنْ الْحِفْظ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ , كَمَا قَالَ : " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ " [ الِانْفِطَار : 10 ] أَيْ مَلَائِكَة تَحْفَظ أَعْمَال الْعِبَاد وَتَحْفَظهُمْ مِنْ الْآفَات . وَالْحَفَظَة جَمْع حَافِظ , مِثْل الْكَتَبَة وَالْكَاتِب . وَيُقَال : إِنَّهُمَا مَلَكَانِ بِاللَّيْلِ وَمَلَكَانِ بِالنَّهَارِ , يَكْتُب أَحَدهمَا الْخَيْر وَالْآخَر الشَّرّ , إِذَا مَشَى الْإِنْسَان يَكُون أَحَدهمَا بَيْن يَدَيْهِ وَالْآخَر وَرَاءَهُ , وَإِذَا جَلَسَ يَكُون أَحَدهمَا عَنْ يَمِينه وَالْآخَر عَنْ شِمَاله ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَنْ الْيَمِين وَعَنْ الشِّمَال قَعِيد " [ قِ : 17 ] . وَيُقَال : لِكُلِّ إِنْسَان خَمْسَة مِنْ الْمَلَائِكَة : اِثْنَانِ بِاللَّيْلِ , وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ , وَالْخَامِس لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعِيش شَقِيًّا جَاهِل الْقَلْب غَافِل الْيَقَظَهْ فَإِذَا كَانَ ذَا وَفَاء وَرَأْي حَذِرَ الْمَوْت وَاتَّقَى الْحَفَظَهْ إِنَّمَا النَّاس رَاحِل وَمُقِيم فَاَلَّذِي بَانَ لِلْمُقِيمِ عِظَهْ يُرِيد أَسْبَابه . كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ : " وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ " [ الْمَائِدَة : 32 ] و " كُذِّبَتْ رُسُل " [ فَاطِر : 4 ] . وَقَرَأَ حَمْزَة " تَوَفَّاهُ رُسُلنَا " عَلَى تَذْكِير الْجَمْع . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " تَتَوَفَّاهُ رُسُلنَا " بِزِيَادَةِ تَاء وَالتَّذْكِير . وَالْمُرَاد أَعْوَان مَلَك الْمَوْت ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَيُرْوَى أَنَّهُمْ يَسُلُّونَ الرُّوح مِنْ الْجَسَد حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد قَبْضهَا قَبَضَهَا مَلَك الْمَوْت . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَقْبِض مَلَك الْمَوْت الرُّوح مِنْ الْجَسَد ثُمَّ يُسَلِّمهَا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَوْ إِلَى مَلَائِكَة الْعَذَاب إِنْ كَانَ كَافِرًا . وَيُقَال : مَعَهُ سَبْعَة مِنْ مَلَائِكَة الرَّحْمَة وَسَبْعَة مِنْ مَلَائِكَة الْعَذَاب ; فَإِذَا قَبَضَ نَفْسًا مُؤْمِنَة دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة فَيُبَشِّرُونَهَا بِالثَّوَابِ وَيَصْعَدُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاء , إِذَا قَبَضَ نَفْسًا كَافِرَة دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَة الْعَذَاب فَيُبَشِّرُونَهَا بِالْعَذَابِ وَيَفْزَعُونَهَا , ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاء ثُمَّ تُرَدّ إِلَى سِجِّين , وَرُوح الْمُؤْمِن إِلَى عِلِّيِّينَ . وَالتَّوَفِّي تَارَة يُضَاف إِلَى مَلَك الْمَوْت ; كَمَا قَالَ : " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت " [ السَّجْدَة : 11 ] وَتَارَة إِلَى الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ ; كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا . وَتَارَة إِلَى اللَّه وَهُوَ الْمُتَوَفِّي عَلَى الْحَقِيقَة ; كَمَا قَالَ : " اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا " [ الزُّمَر : 42 ] " قُلْ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ " [ الْجَاثِيَة : 26 ] " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة " [ الْمُلْك : 2 ] فَكُلّ مَأْمُور مِنْ الْمَلَائِكَة فَإِنَّمَا يَفْعَل مَا أُمِرَ بِهِ . أَيْ لَا يُضَيِّعُونَ وَلَا يُقَصِّرُونَ , أَيْ يُطِيعُونَ أَمْر اللَّه . وَأَصْله مِنْ التَّقَدُّم , كَمَا تَقَدَّمَ . فَمَعْنَى فَرَّطَ قَدَّمَ الْعَجْز . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : لَا يَتَوَانَوْنَ . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر " لَا يُفْرِطُونَ " بِالتَّخْفِيفِ , أَيْ لَا يُجَاوِزُونَ الْحَدّ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِكْرَام وَالْإِهَانَة .