فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) (الأحقاف) يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَوْلَا نَصَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ الْأُمَم الْخَالِيَة قَبْلهمْ أَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ الَّتِي اِتَّخَذُوا عِبَادَتهَا قُرْبَانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهَا فِيمَا زَعَمُوا إِلَى رَبّهمْ مِنَّا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا , فَتُنْقِذهُمْ مِنْ عَذَابنَا إِنْ كَانَتْ تَشْفَع لَهُمْ عِنْد رَبّهمْ كَمَا يَزْعُمُونَ , وَهَذَا اِحْتِجَاج مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمه , يَقُول لَهُمْ : لَوْ كَانَتْ آلِهَتكُمْ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا , أَوْ تَنْفَعكُمْ عِنْد اللَّه كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ إِنَّمَا تَعْبُدُونَهَا , لِتُقَرِّبكُمْ إِلَى اللَّه زُلْفَى , لَأَغْنَتْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْتهَا بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا , فَدَفَعَتْ عَنْهَا الْعَذَاب إِذَا نَزَلَ , أَوْ لَشَفَعَتْ لَهُمْ عِنْد رَبّهمْ , فَقَدْ كَانُوا مِنْ عِبَادَتهَا عَلَى مِثْل الَّذِي عَلَيْهِ أَنْتُمْ , وَلَكِنَّهَا ضَرَّتهمْ وَلَمْ تَنْفَعهُمْ : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } يَقُول : بَلْ تَرَكَتْهُمْ آلِهَتهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا , فَأَخَذَتْ غَيْر طَرِيقهمْ , لِأَنَّ عَبَدَتهَا هَلَكَتْ , وَكَانَتْ هِيَ حِجَارَة أَوْ نُحَاسًا , فَلَمْ يُصِبْهَا مَا أَصَابَهُمْ وَدَعَوْهَا , فَلَمْ تُجِبْهُمْ , وَلَمْ تُغِثْهُمْ , وَذَلِكَ ضَلَالهَا عَنْهُمْ , وَذَلِكَ إِفْكهمْ , يَقُول عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآلِهَة الَّتِي ضَلَّتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه عِنْد نُزُول بَأْس اللَّه بِهِمْ , وَفِي حَال طَمَعهمْ فِيهَا أَنْ تُغِيثهُمْ , فَخَذَلَتْهُمْ , هُوَ إِفْكهمْ : يَقُول : هُوَ كَذِبهمْ الَّذِي كَانُوا يَكْذِبُونَ , وَيَقُولُونَ بِهِ هَؤُلَاءِ آلِهَتنَا وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ , يَقُول : وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْتَرُونَ , فَيَقُولُونَ : هِيَ تُقَرِّبنَا إِلَى اللَّه زُلْفَى , وَهِيَ شُفَعَاؤُنَا عِنْد اللَّه . وَأُخْرِجَ الْكَلَام مَخْرَج الْفِعْل , وَالْمَعْنَى الْمَفْعُول بِهِ , فَقِيلَ : وَذَلِكَ إِفْكهمْ , وَالْمَعْنَى فِيهِ : الْمَأْفُوك بِهِ لِأَنَّ الْإِفْك إِنَّمَا هُوَ فِعْل الْآفِك , وَالْآلِهَة مَأْفُوك بِهَا . وَقَدْ مَضَى الْبَيَان عَنْ نَظَائِر ذَلِكَ قَبْل , قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { وَذَلِكَ إِفْكهمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَذَلِكَ إِفْكهمْ } بِكَسْرِ الْأَلِف وَسُكُون الْفَاء وَضَمّ الْكَاف بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ مَا : 24222 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهَا " وَذَلِكَ أَفْهَكُمْ " يَعْنِي بِفَتْحِ الْأَلِف وَالْكَاف وَقَالَ : أَضَلّهمْ . فَمَنْ قَرَأَ الْقِرَاءَة الْأُولَى الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار , فَالْهَاء وَالْمِيم فِي مَوْضِع خَفْض . وَمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ اِبْن عَبَّاس فَالْهَاء وَالْمِيم فِي مَوْضِع نَصْب , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ , وَذَلِكَ صَرْفهمْ عَنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قِرَاءَة الْأَمْصَار لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَيْهَا.