وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) (النساء) أَيْ لَا تَضْعُفُوا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " . طَلَبِهِمْ قِيلَ : نَزَلَتْ فِي حَرْب أُحُد حَيْثُ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ فِي آثَار الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ جِرَاحَات , وَكَانَ أَمْر أَلَّا يَخْرُج مَعَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي الْوَقْعَة , كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " وَقِيلَ : هَذَا فِي كُلّ جِهَاد . " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ " أَيْ تَتَأَلَّمُونَ مِمَّا أَصَابَكُمْ مِنْ الْجِرَاح فَهُمْ يَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا مِمَّا يُصِيبهُمْ , وَلَكُمْ مَزِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّكُمْ تَرْجُونَ ثَوَاب اللَّه وَهُمْ لَا يَرْجُونَهُ ; وَلَك أَنَّ مَنْ لَا يُؤْمِن بِاَللَّهِ لَا يَرْجُونَ مِنْ اللَّه شَيْئًا . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة " إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْم قَرْح مِثْله " [ آل عِمْرَان : 140 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج " أَنْ تَكُونُوا " بِفَتْحِ الْهَمْزَة , أَيْ لِأَنْ وَقَرَأَ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر " إِنْ تَكُونُوا تِأْلَمُونَ " بِكَسْرِ التَّاء . وَلَا يَجُوز عِنْد الْبَصْرِيِّينَ كَسْر التَّاء لِثِقَلِ الْكَسْر فِيهَا . ثُمَّ قِيلَ : الرَّجَاء هُنَا بِمَعْنَى الْخَوْف ; لِأَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا فَهُوَ غَيْر قَاطِع بِحُصُولِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ خَوْف فَوْت مَا يَرْجُو . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج : لَا يُطْلَق الرَّجَاء بِمَعْنَى الْخَوْف إِلَّا مَعَ النَّفْي ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا " [ نُوحَ : 13 ] أَيْ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . وَقَوْله تَعَالَى : " لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه " [ الْجَاثِيَة : 14 ] أَيْ لَا يَخَافُونَ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَا يَبْعُد ذِكْر الْخَوْف مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون فِي الْكَلَام نَفْي , وَلَكِنَّهُمَا اِدَّعَيَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَد ذَلِكَ إِلَّا مَعَ النَّفْي . وَاَللَّه أَعْلَم . بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَات فِيمَا حَكَمَ وَأَبْرَمَ .