يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) (النساء) الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَوْم نَجِيء مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ , وَنَجِيء بِك عَلَى أُمَّتك يَا مُحَمَّد شَهِيدًا , { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : يَتَمَنَّى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّة اللَّه وَعَصَوْا رَسُوله , لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَمَكَّة وَالْمَدِينَة : " لَوْ تَسَّوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِتَشْدِيدِ السِّين وَالْوَاو وَفَتْح التَّاء , بِمَعْنَى : لَوْ تَتَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض , ثُمَّ أُدْغِمَتْ التَّاء الثَّانِيَة فِي السِّين , يُرَاد بِهِ : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ صَارُوا تُرَابًا , فَكَانُوا سَوَاء هُمْ وَالْأَرْض . وَقَرَأَ آخَرُونَ ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , وَهِيَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة بِالْمَعْنَى الْأَوَّل , غَيْر أَنَّهُمْ تَرَكُوا تَشْدِيد السِّين , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : { لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض } بِمَعْنَى : لَوْ سَوَّاهُمْ اللَّه وَالْأَرْض , فَصَارُوا تُرَابًا مِثْلهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهُمْ , كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ بِمَنْ ذُكِرَ أَنَّهُ يَفْعَلهُ بِهِ مِنْ الْبَهَائِم . وَكُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِأَنَّ مَنْ تَمَنَّى مِنْهُمْ أَنْ يَكُون يَوْمئِذٍ تُرَابًا إِنَّمَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُون كَذَلِكَ بِتَكْوِينِ اللَّه إِيَّاهُ كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون اللَّه جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون تُرَابًا . عَلَى أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَأَعْجَب الْقِرَاءَة إِلَيَّ فِي ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , كَرَاهِيَة الْجَمْع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد , وَلِلتَّوْفِيقِ فِي الْمَعْنَى بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن قَوْله : { وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 فَأَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ كَانُوا تُرَابًا , وَلَمْ يُخْبِر عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : " لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " فَيُسَوَّوْا هُمْ , وَهِيَ أَعْجَب إِلَيَّ لِيُوَافِق ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل تَأَوَّلُوهُ , بِمَعْنَى : وَلَا تَكْتُم اللَّه جَوَارِحهمْ حَدِيثًا وَإِنْ جَحَدَتْ ذَلِكَ أَفْوَاههمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7551 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَمْرو عَنْ مُطَرِّف , عَنْ . الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَتَى رَجُل اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : سَمِعْت اللَّه يَقُول : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } 6 23 فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا أَهْل الْإِسْلَام قَالُوا : تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ! فَخَتَمَ اللَّه عَلَى أَفْوَاههمْ , وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا. 7552 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ رَجُل , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : أَشْيَاء تَخْتَلِف عَلَيَّ فِي الْقُرْآن ؟ فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ أَشَكّ فِي الْقُرْآن ؟ قَالَ : لَيْسَ بِالشَّكِّ , وَلَكِنَّهُ اِخْتِلَاف . قَالَ : فَهَاتِ مَا اِخْتَلَفَ عَلَيْك ! قَالَ : أَسْمَع اللَّه يَقُول : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَدْ كَتَمُوا ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْم الْقِيَامَة أَنَّ اللَّه يَغْفِر لِأَهْلِ الْإِسْلَام وَيَغْفِر الذُّنُوب وَلَا يَغْفِر شِرْكًا وَلَا يَتَعَاظَمهُ ذَنْب أَنْ يَغْفِرهُ جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , رَجَاء أَنْ يَغْفِر لَهُمْ , فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاههمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , فَعِنْد ذَلِكَ { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الزُّبَيْر , عَنْ الضَّحَّاك : أَنَّ نَافِع بْن الْأَزْرَق أَتَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا اِبْن عَبَّاس , قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : إِنِّي أَحْسَبك قُمْت مِنْ عِنْد أَصْحَابك فَقُلْت : أَلْقَى عَلَيَّ اِبْن عَبَّاس مُتَشَابِه الْقُرْآن , فَإِذَا رَجَعْت إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه جَامِع النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي بَقِيع وَاحِد , فَيَقُول الْمُشْرِكُونَ إِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ , فَيَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَجْحَد ! فَيَسْأَلهُمْ , فَيَقُولُونَ : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , قَالَ فَيَخْتِم عَلَى أَفْوَاههمْ , وَيَسْتَنْطِق جَوَارِحهمْ , فَتَشْهَد عَلَيْهِمْ جَوَارِحهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَعِنْد ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْض سُوِّيَتْ بِهِمْ , وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا . 7553 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَهُ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي : أَنْ تُسَوَّى الْأَرْض بِالْجِبَالِ عَلَيْهِمْ . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَمْ يَكْتُمُوا اللَّه حَدِيثًا. كَأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنَّهُمْ سُوُّوا مَعَ الْأَرْض , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا اللَّه حَدِيثًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ يَوْمئِذٍ لَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا , وَيَوَدُّونَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَلَيْسَ بِمُنْكَتِمٍ عَنْ اللَّه مِنْ شَيْء حَدِيثهمْ , لِعِلْمِهِ جَلَّ ذِكْره بِجَمِيعِ حَدِيثهمْ وَأَمْرهمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ كَتَمُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَجَحَدُوهُ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ .