قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) (الأنبياء) لَمَّا اِنْقَطَعُوا بِالْحُجَّةِ أَخَذَتْهُمْ عِزَّة بِإِثْمٍ وَانْصَرَفُوا إِلَى طَرِيق الْغَشْم وَالْغَلَبَة وَقَالُوا حَرِّقُوهُ . رُوِيَ أَنَّ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة هُوَ رَجُل مِنْ الْأَكْرَاد مِنْ أَعْرَاب فَارِس ; أَيْ مِنْ بَادِيَتهَا ; قَالَ اِبْن عَمْرو وَمُجَاهِد وَابْن جُرَيْج . وَيُقَال : اِسْمه هيزر فَخَسَفَ اللَّه بِهِ الْأَرْض , فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقِيلَ : بَلْ قَالَهُ مَلِكهمْ نُمْرُود . بِتَحْرِيقِ إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ يَسُبّهَا وَيَعِيبهَا . وَجَاءَ فِي الْخَبَر : أَنَّ نُمْرُود بَنَى صَرْحًا طُوله ثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَعَرْضه أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَجَمَعُوا الْحَطَب شَهْرًا ثُمَّ أَوْقَدُوهَا , وَاشْتَعَلَتْ وَاشْتَدَّتْ , حَتَّى إِنْ كَانَ الطَّائِر لَيَمُرّ بِجَنَبَاتِهَا فَيَحْتَرِق مِنْ شِدَّة وَهَجهَا . ثُمَّ قَيَّدُوا إِبْرَاهِيم وَوَضَعُوهُ فِي الْمَنْجَنِيق مَغْلُولًا . وَيُقَال : إِنَّ إِبْلِيس صَنَعَ لَهُمْ الْمَنْجَنِيق يَوْمئِذٍ . فَضَجَّتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَنْ فِيهِنَّ مِنْ الْمَلَائِكَة وَجَمِيع الْخَلْق , إِلَّا الثَّقَلَيْنِ ضَجَّة وَاحِدَة : رَبّنَا ! إِبْرَاهِيم لَيْسَ فِي الْأَرْض أَحَد يَعْبُدك غَيْره يُحَرَّق فِيك فَأْذَنْ لَنَا فِي نُصْرَته . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنْ اِسْتَغَاثَ بِشَيْءٍ مِنْكُمْ أَوْ دَعَاهُ فَلْيَنْصُرْهُ فَقَدْ أَذِنْت لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأَنَا أَعْلَم بِهِ وَأَنَا وَلِيّه " فَلَمَّا أَرَادُوا إِلْقَاءَهُ فِي النَّار , أَتَاهُ خُزَّان الْمَاء - وَهُوَ فِي الْهَوَاء - فَقَالُوا : يَا إِبْرَاهِيم إِنْ أَرَدْت أَخْمَدْنَا النَّار بِالْمَاءِ . فَقَالَ : لَا حَاجَة لِي إِلَيْكُمْ . وَأَتَاهُ مَلَك الرِّيح فَقَالَ : لَوْ شِئْت طَيَّرْت النَّار . فَقَالَ : لَا . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : " اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِد فِي السَّمَاء وَأَنَا الْوَاحِد فِي الْأَرْض لَيْسَ أَحَد يَعْبُدك غَيْرِي حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " . وَرَوَى أُبَيّ بْن كَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ إِبْرَاهِيم حِين قَيَّدُوهُ لِيُلْقُوهُ فِي النَّار قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك رَبّ الْعَالَمِينَ لَك الْحَمْد وَلَك الْمُلْك لَا شَرِيك لَك ) قَالَ : ثُمَّ رَمَوْا بِهِ فِي الْمَنْجَنِيق مِنْ مِضْرَب شَاسِع , فَاسْتَقْبَلَهُ جِبْرِيل ; فَقَالَ : يَا إِبْرَاهِيم أَلَكَ حَاجَة ؟ قَالَ : " أَمَّا إِلَيْك فَلَا " . فَقَالَ جِبْرِيل : فَاسْأَلْ رَبّك . فَقَالَ : " حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمه بِحَالِي " . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَق الْقَائِلِينَ :