يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) (البقرة) الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ وَاَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ أَحَدهمَا أَنَّهُ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأُنْذِرُوا أَمْ لَمْ يُنْذَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبهمْ , وَعَلَى سَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ , وَعَنْ الْآخَر أَنَّهُ يُخَادِع اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِمَا يُبْدِي بِلِسَانِهِ مِنْ قَبْله : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , مَعَ اسْتِبْطَانه خِلَاف ذَلِكَ , وَمَرَض قَلْبه , وَشَكّه فِي حَقِيقَة مَا يُبْدِي مِنْ ذَلِكَ ; وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر خَلْقه الْمُكَلَّفِينَ , بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوع لَهُ بِالطَّاعَةِ , وَإِفْرَاد الرُّبُوبِيَّة لَهُ , وَالْعِبَادَة دُون الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَالْآلِهَة ; لِأَنَّ جَلَّ ذِكْره هُوَ خَالِقهمْ وَخَالِق مَنْ قَبْلهمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادهمْ , وَخَالِق أَصْنَامهمْ وَأَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْره : فَاَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادكُمْ وَسَائِر الْخَلْق غَيْركُمْ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى ضَرّكُمْ وَنَفْعكُمْ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِر لَكُمْ عَلَى نَفْع وَلَا ضَرّ . وَكَانَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُول فِي ذَلِكَ نَظِير مَا قُلْنَا فِيهِ , غَيْر أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي مَعْنَى : { اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } وَحِّدُوا رَبّكُمْ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَة الْخُضُوع لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّل لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ . وَاَلَّذِي أَرَادَ ابْن عَبَّاس إنْ شَاءَ اللَّه بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } وَحِّدُوهُ : أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لِرَبِّكُمْ دُون سَائِر خَلْقه . 396 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ اللَّه : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ , أَيْ وَحِّدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ . 397 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول : خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ أَدَلّ دَلِيل عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إلَّا بِمَعُونَةِ اللَّه غَيْر جَائِز إلَّا بَعْد إعْطَاء اللَّه الْمُكَلَّف الْمَعُونَة عَلَى مَا كَلَّفَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَمَرَ مَنْ وَصَفْنَا بِعِبَادَتِهِ وَالتَّوْبَة مِنْ كُفْره , بَعْد إخْبَاره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ ضَلَالَتهمْ لَا يَرْجِعُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بِعِبَادَتِكُمْ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ , وَطَاعَتكُمْ إيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَإِفْرَادكُمْ لَهُ الْعِبَادَة , لِتَتَّقُوا سَخَطه وَغَضَبه أَنْ يَحِلّ عَلَيْكُمْ , وَتَكُونُوا مِنْ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ رَبّهمْ . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } : تُطِيعُونَ 398 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قَالَ : لَعَلَّكُمْ تُطِيعُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي أَظُنّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا : لَعَلَّكُمْ أَنْ تَتَّقُوا رَبّكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إيَّاهُ وَإِقْلَاعكُمْ عَنْ ضَلَالَتكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَكَيْف قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ؟ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَصِير إلَيْهِ أَمَرَهُمْ إذَا هُمْ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوهُ , حَتَّى قَالَ لَهُمْ : لَعَلَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَتَّقُوا , فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ عَاقِبَة عِبَادَتهمْ إيَّاهُ مَخْرَج الشَّكّ ؟ قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمَتْ , وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , لِتَتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوْحِيده وَإِفْرَاده بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِبَادَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مَوْثِق فَلَمَّا كَفْننَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ كَلَمْحِ سَرَاب فِي الْفَلَا مُتَأَلِّق يُرِيد بِذَلِكَ : قُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا لِنَكُفّ . وَذَلِكَ أَنَّ " لَعَلَّ " فِي هَذَا الْمَوْضِع لَوْ كَانَ شَكًّا لَمْ يَكُونُوا وَثَّقُوا لَهُمْ كُلّ مَوْثِق .