وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) (التوبة)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر اِبْن اللَّه وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح اِبْن اللَّه ذَلِكَ قَوْلهمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْقَائِل : { عُزَيْر اِبْن اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا , هُوَ فنحاص . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12913 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَوْله : { وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر اِبْن اللَّه } , قَالَ : قَالَهَا رَجُل وَاحِد , قَالُوا : إِنَّ اِسْمه فنحاص , وَقَالُوا : هُوَ الَّذِي قَالَ : { إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } 3 181 وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَوْل جَمَاعَة مِنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12914 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّام بْن مِشْكَم , وَنُعْمَان بْن أَوْفَى , وَشَاس بْن قَيْس , وَمَالِك بْن الصَّيْف , فَقَالُوا : كَيْف نَتَّبِعك وَقَدْ تَرَكْت قِبْلَتنَا , وَأَنْتَ لَا تَزْعُم أَنَّ عُزَيْرًا اِبْن اللَّه ؟ فَأَنْزَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر اِبْن اللَّه وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح اِبْن اللَّه } إِلَى : { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } 12915 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر اِبْن اللَّه } وَإِنَّمَا قَالُوا : هُوَ اِبْن اللَّه مِنْ أَجْل أَنَّ عُزَيْرًا كَانَ فِي أَهْل الْكِتَاب وَكَانَتْ التَّوْرَاة عِنْدهمْ يَعْمَلُونَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَعْمَلُوا , ثُمَّ أَضَاعُوهَا وَعَمِلُوا بِغَيْرِ الْحَقّ . وَكَانَ التَّابُوت فِيهِمْ ; فَلَمَّا رَأَى اللَّه أَنَّهُمْ قَدْ أَضَاعُوا التَّوْرَاة وَعَمِلُوا بِالْأَهْوَاءِ , رَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ التَّابُوت , وَأَنْسَاهُمْ التَّوْرَاة وَنَسَخَهَا مِنْ صُدُورهمْ , وَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَرَضًا , فَاسْتَطْلَقَتْ بُطُونهمْ , حَتَّى جَعَلَ الرَّجُل يَمْشِي كَبِده , حَتَّى نَسُوا التَّوْرَاة , وَنُسِخَتْ مِنْ صُدُورهمْ , وَفِيهِمْ عُزَيْر . فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَمْكُثُوا بَعْد مَا نُسِخَتْ التَّوْرَاة مِنْ صُدُورهمْ , وَكَانَ عُزَيْر قَبْل مِنْ عُلَمَائِهِمْ , فَدَعَا عُزَيْر اللَّه وَابْتَهَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدّ إِلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِنْ صَدْره مِنْ التَّوْرَاة . فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي مُبْتَهِلًا إِلَى اللَّه , نَزَلَ نُور مِنْ اللَّه فَدَخَلَ جَوْفه , فَعَادَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ ذَهَبَ مِنْ جَوْفه مِنْ التَّوْرَاة , فَأَذَّنَ فِي قَوْمه فَقَالَ : يَا قَوْم قَدْ آتَانِي اللَّه التَّوْرَاة , وَرَدَّهَا إِلَيَّ ! فَعَلَّقَ يُعَلِّمهُمْ , فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّه وَهُوَ يُعَلِّمهُمْ . ثُمَّ إِنَّ التَّابُوت نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ , وَبَعْد ذَهَابه مِنْهُمْ ; فَلَمَّا رَأَوْا التَّابُوت عَرَضُوا مَا كَانَ فِيهِ عَلَى الَّذِي كَانَ عُزَيْر يُعَلِّمهُمْ , فَوَجَدُوهُ مِثْله , فَقَالُوا : وَاَللَّه مَا أُوتِيَ عُزَيْر هَذَا إِلَّا أَنَّهُ اِبْن اللَّه. 12916 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر اِبْن اللَّه } إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُمْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ الْعَمَالِقَة فَقَتَلُوهُمْ , وَأَخَذُوا التَّوْرَاة , وَذَهَبَ عُلَمَاؤُهُمْ الَّذِينَ بَقُوا فَدَفَنُوا كُتُب التَّوْرَاة فِي الْجِبَال. وَكَانَ عُزَيْر غُلَامًا يَتَعَبَّد فِي رُءُوس الْجِبَال لَا يَنْزِل إِلَّا يَوْم عِيد , فَجَعَلَ الْغُلَام يَبْكِي وَيَقُول : رَبّ تَرَكْت بَنِي إِسْرَائِيل بِغَيْرِ عَالِم ! فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى سَقَطَتْ أَشْفَار عَيْنَيْهِ . فَنَزَلَ مَرَّة إِلَى الْعِيد ; فَلَمَّا رَجَعَ إِذَا هُوَ بِامْرَأَةِ قَدْ مَثُلَتْ لَهُ عِنْد قَبْر مِنْ تِلْكَ الْقُبُور تَبْكِي وَتَقُول : يَا مُطْعِمَاهُ , وَيَا كَاسِيَاهُ ! فَقَالَ لَهَا : وَيْحك , مَنْ كَانَ يُطْعِمك وَيَكْسُوك وَيَسْقِيك وَيَنْفَعك قَبْل هَذَا الرَّجُل ؟ قَالَتْ : اللَّه . قَالَ : فَإِنَّ اللَّه حَيّ لَمْ يَمُتْ. قَالَتْ : يَا عُزَيْر , فَمَنْ كَانَ يُعَلِّم الْعُلَمَاء قَبْل بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : اللَّه . قَالَتْ : فَلَمْ تَبْكِي عَلَيْهِمْ ؟ فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ خَصَمَ وَلَّى مُدْبِرًا , فَدَعَتْهُ فَقَالَتْ : يَا عُزَيْر إِذَا أَصْبَحْت غَدًا فَأْتِ نَهَر كَذَا وَكَذَا فَاغْتَسِلْ فِيهِ , ثُمَّ اُخْرُجْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ , فَإِنَّهُ يَأْتِيك شَيْخ فَمَا أَعْطَاك فَخُذْهُ ! فَلَمَّا أَصْبَحَ , اِنْطَلَقَ عُزَيْر إِلَى ذَلِكَ النَّهَر , فَاغْتَسَلَ فِيهِ , ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ , فَجَاءَهُ الشَّيْخ فَقَالَ : اِفْتَحْ فَمك ! فَفَتَحَ فَمه , فَأَلْقَى فِيهِ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْجَمْرَة الْعَظِيمَة مُجْتَمِعًا كَهَيْئَةِ الْقَوَارِير ثَلَاث مِرَار. فَرَجَعَ عُزَيْر وَهُوَ مِنْ أَعْلَم النَّاس بِالتَّوْرَاةِ , فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ . فَقَالُوا يَا عُزَيْر مَا كُنْت كَذَّابًا . فَعَمَدَ فَرَبَطَ عَلَى كُلّ أُصْبُع لَهُ قَلَمًا , وَكَتَبَ بِأَصَابِعِهِ كُلّهَا , فَكَتَبَ التَّوْرَاة كُلّهَا . فَلَمَّا رَجَعَ الْعُلَمَاء أَخْبَرُوا بِشَأْنِ عُزَيْر , فَاسْتَخْرَجَ أُولَئِكَ الْعُلَمَاء كُتُبهمْ الَّتِي كَانُوا دَفَنُوهَا مِنْ التَّوْرَاة فِي الْجِبَال , وَكَانَتْ فِي خَوَابّ مَدْفُونَة , فَعَارَضُوهَا بِتَوْرَاةِ عُزَيْر فَوَجَدُوهَا مِثْلهَا , فَقَالُوا : مَا أَعْطَاك اللَّه هَذَا إِلَّا أَنَّك اِبْنه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ : " وَقَالَتْ الْيَهُود عَزِيز اِبْن اللَّه " لَا يُنَوِّنُونَ " عُزَيْرًا " . وَقَرَأَهُ بَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ : { عُزَيْر اِبْن اللَّه } بِتَنْوِينِ " عُزَيْر " . قَالَ : هُوَ اِسْم مَجْرَى وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا لِخِفَّتِهِ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْر مَنْسُوب إِلَى اللَّه , فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ قَوْل الْقَائِل : زَيْد بْن عَبْد اللَّه , وَأَوْقَعَ الِابْن مَوْقِع الْخَبَر , وَلَوْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّه لَكَانَ الْوَجْه فِيهِ إِذَا كَانَ الِابْن خَبَرًا : الْإِجْرَاء وَالتَّنْوِين , فَكَيْف وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى غَيْر أَبِيهِ . وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ تَنْوِينَ " عُزَيْر " , فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْبَاء مِنْ اِبْن سَاكِنَة مَعَ التَّنْوِين السَّاكِن وَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَحَذَفَ الْأَوَّل مِنْهُمَا اِسْتِثْقَالًا لِتَحْرِيكِهِ , قَالَ الرَّاجِز : لَتَجِدَنِّي بِالْأَمِيرِ بَرًّا وَبِالْقَنَاةِ مِدْعَسًا مِكَرَّا إِذَا غُطَيْف السُّلَمِيّ فَرَّا فَحَذَفَ النُّون لِلسَّاكِنِ الَّذِي اِسْتَقْبَلَهَا. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { عُزَيْر اِبْن اللَّه } بِتَنْوِينِ " عُزَيْر " ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُنَوِّن الْأَسْمَاء إِذَا كَانَ الِابْن نَعْتًا لِلِاسْمِ , كَقَوْلِهِمْ : هَذَا زَيْد بْن عَبْد اللَّه , فَأَرَادُوا الْخَبَر عَنْ عُزَيْر بِأَنَّهُ اِبْن اللَّه , وَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَجْعَلُوا الِابْن لَهُ نَعْتًا . وَالِابْن فِي هَذَا الْمَوْضِع خَبَر لِعُزَيْرٍ , لِأَنَّ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ , إِنَّمَا أَخْبَرُوا عَنْ عُزَيْر أَنَّهُ كَذَلِكَ , وَإِنْ كَانُوا بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ كَانُوا كَاذِبِينَ عَلَى اللَّه مُفْتَرِينَ . { وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح اِبْن اللَّه ذَلِكَ قَوْلهمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } يَعْنِي قَوْل الْيَهُود : { عُزَيْر اِبْن اللَّه } يَقُول : نِسْبَة قَوْل هَؤُلَاءِ فِي الْكَذِب عَلَى اللَّه وَالْفِرْيَة عَلَيْهِ وَنِسْبَتهمْ الْمَسِيح إِلَى أَنَّهُ لِلَّهِ اِبْن كَكَذِبِ الْيَهُود وَفِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه فِي نِسْبَتهمْ عُزَيْر إِلَى أَنَّهُ لِلَّهِ اِبْن , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون لِلَّهِ وَلَد سُبْحَانه , بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض , كُلّ لَهُ قَانِتُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12917 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } يَقُول : يُشْبِهُونَ. 12918 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } ضَاهَتْ النَّصَارَى قَوْل الْيَهُود قَبْلهمْ . 12919 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } النَّصَارَى يُضَاهِئُونَ قَوْل الْيَهُود فِي عُزَيْر . 12920 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } يَقُول : النَّصَارَى يُضَاهِئُونَ قَوْل الْيَهُود . 12921 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يُضَاهِئُونَ قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل } يَقُول : قَالُوا مِثْل مَا قَالَ أَهْل الْأَوْثَان . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : يَحْكُونَ بِقَوْلِهِمْ قَوْل أَهْل الْأَدْيَان الَّذِينَ قَالُوا : اللَّات وَالْعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : " يُضَاهُونَ " بِغَيْرِ هَمْز . وَقَرَأَهُ عَاصِم : { يُضَاهِئُونَ } بِالْهَمْزِ , وَهِيَ لُغَة لِثَقِيفٍ. وَهُمَا لُغَتَانِ , يُقَال : ضَاهَيْته عَلَى كَذَا أُضَاهِيه مُضَاهَاة وَضَاهَاتهُ عَلَيْهِ مُضَاهَاة , إِذَا مَالَأْته عَلَيْهِ وَأَعَنْته . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ تَرْك الْهَمْز , لِأَنَّهَا الْقِرَاءَة الْمُسْتَفِيضَة فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار وَاللُّغَة الْفُصْحَى .
وَأَمَّا قَوْله : { قَاتَلَهُمْ اللَّه } فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , مَا : 12922 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَاتَلَهُمْ اللَّه } يَقُول : لَعَنَهُمْ اللَّه , وَكُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن وَقَتَلَ . فَهُوَ لَعْن . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج فِي ذَلِكَ , مَا : 12923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { قَاتَلَهُمْ اللَّه } يَعْنِي النَّصَارَى , كَلِمَة مِنْ كَلَام الْعَرَب. فَأَمَّا أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَعْنَاهُ : قَتَلَهُمْ اللَّه , وَالْعَرَب تَقُول : قَاتَعَك اللَّه , وَقَاتَعَهَا اللَّه ; بِمَعْنَى : قَاتَلَك اللَّه , قَالُوا : وَقَاتَعَك اللَّه أَهْوَن مِنْ قَاتَلَهُ اللَّه . وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : شَاقَّاهُ اللَّه مَا بَاقَّاهُ , يُرِيدُونَ : أَشْقَاهُ اللَّه مَا أَبْقَاهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْله : { قَاتَلَهُمْ اللَّه } كَقَوْلِهِ : { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } 51 10 و { قُتِلَ أَصْحَاب الْأُخْدُود } 85 4 وَاحِد , وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّب . فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالُوا كَمَا قَالُوا , فَهُوَ مِنْ نَادِر الْكَلَام الَّذِي جَاءَ عَلَى غَيْر الْقِيَاس , لِأَنَّ فَاعَلْت لَا تَكَاد أَنْ تَجِيء فَعْلًا إِلَّا مِنْ اِثْنَيْنِ , كَقَوْلِهِمْ : خَاصَمْت فُلَانًا وَقَاتَلْته , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ قَوْلهمْ : عَافَاك اللَّه مِنْهُ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : أَعْفَاك اللَّه , بِمَعْنَى الدُّعَاء لِمَنْ دَعَا لَهُ بِأَنْ يُعْفِيه مِنْ السُّوء .
وَقَوْله : { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } يَقُول : أَيّ وَجْه يَذْهَب بِهِمْ وَيَحِيدُونَ , كَيْف يَصُدُّونَ عَنْ الْحَقّ , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل .