تفسير القرطبي - سورة الجن - الآية 26

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) (الجن)

"عَالِم الْغَيْب " "عَالِم " رَفْعًا نَعْتًا لِقَوْلِهِ : " رَبِّي " . وَقِيلَ : أَيْ هُوَ " عَالِم الْغَيْب " وَالْغَيْب مَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد . الْغَيْب فِي كَلَام الْعَرَب كُلّ مَا غَابَ عَنْك , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْيَاء يُقَال مِنْهُ : غَابَتْ الشَّمْس تَغِيب ; وَالْغِيبَة مَعْرُوفَة . وَأَغَابَتْ الْمَرْأَة فَهِيَ مُغِيبَة إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا , وَوَقَعْنَا فِي غِيبَة وَغَيَابَة , أَيْ هَبْطَة مِنْ الْأَرْض ; وَالْغَيَابَة : الْأَجَمَة , وَهِيَ جِمَاع الشَّجَر يُغَاب فِيهَا , وَيُسَمَّى الْمُطَمْئِنّ مِنْ الْأَرْض : الْغَيْب , لِأَنَّهُ غَابَ عَنْ الْبَصَر .

وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل الْغَيْب هُنَا ; فَقَالَتْ فِرْقَة : الْقَضَاء وَالْقَدَر . وَقَالَ آخَرُونَ : الْقُرْآن وَمَا فِيهِ مِنْ الْغُيُوب . وَقَالَ آخَرُونَ : الْغَيْب كُلّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّا لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُول مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة وَعَذَاب الْقَبْر وَالْحَشْر وَالنَّشْر وَالصِّرَاط وَالْمِيزَان وَالْجَنَّة وَالنَّار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذِهِ الْأَقْوَال لَا تَتَعَارَض بَلْ يَقَع الْغَيْب عَلَى جَمِيعهَا .

قُلْت : وَهَذَا الْإِيمَان الشَّرْعِيّ الْمُشَار إِلَيْهِ فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَان . قَالَ : ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ خَيْره وَشَرّه ) . قَالَ : صَدَقْت . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : مَا آمَنَ مُؤْمِن أَفْضَل مِنْ إِيمَان بِغَيْبٍ , ثُمَّ قَرَأَ : " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " [ الْبَقَرَة : 3 ] .

قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل : " وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ " [ الْأَعْرَاف : 7 ] وَقَالَ : " الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ " [ الْأَنْبِيَاء : 49 ] فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَائِب عَنْ الْأَبْصَار , غَيْر مَرْئِيّ فِي هَذِهِ الدَّار , غَيْر غَائِب بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال ; فَهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا قَادِرًا يُجَازِي عَلَى الْأَعْمَال , فَهُمْ يَخْشَوْنَهُ فِي سَرَائِرهمْ وَخَلَوَاتهمْ الَّتِي يَغِيبُونَ فِيهَا عَنْ النَّاس , لِعِلْمِهِمْ بِاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ , وَعَلَى هَذَا تَتَّفِق الْآي وَلَا تَتَعَارَض , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقِيلَ : " بِالْغَيْبِ " أَيْ بِضَمَائِرِهِمْ وَقُلُوبهمْ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ ; وَهَذَا قَوْل حَسَن . وَقَالَ الشَّاعِر : وَبِالْغَيْبِ آمَنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمنَا يُصَلُّونَ لِلْأَوْثَانِ قَبْل مُحَمَّد

تاريخ الحفظ: 5/7/2026 12:19:58
المصدر: https://wahaqouran.com/t-72-4-26.html