تفسير القرطبي - سورة آل عمران - الآية 183

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (183) (آل عمران)

الَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض بَدَلًا مِنْ " الَّذِينَ " فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْل الَّذِينَ قَالُوا " أَوْ نَعْت " لِلْعَبِيدِ " أَوْ خَبَر اِبْتِدَاء , أَيْ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَغَيْره . نَزَلَتْ فِي كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَمَالِك بْن الصَّيْف , وَوَهْب بْن يَهُوذَا وفنحاص بْن عازوراء وَجَمَاعَة أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالُوا لَهُ : أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَك إِلَيْنَا , وَإِنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِ أَلَّا نُؤْمِن لِرَسُولٍ يَزْعُم أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه حَتَّى يَأْتِينَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلهُ النَّار , فَإِنْ جِئْنَا بِهِ صَدَّقْنَاك . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . فَقِيلَ : كَانَ هَذَا فِي التَّوْرَاة , وَلَكِنْ كَانَ تَمَام الْكَلَام : حَتَّى يَأْتِيكُمْ الْمَسِيح وَمُحَمَّد فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا مِنْ غَيْر قُرْبَانٍ . وَقِيلَ : كَانَ أَمْر الْقَرَابِين ثَابِتًا إِلَى أَنْ نُسِخَتْ عَلَى لِسَان عِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَكَانَ النَّبِيّ مِنْهُمْ يَذْبَح وَيَدْعُو فَتَنْزِل نَار بَيْضَاء لَهَا دَوِيّ وَحَفِيف لَا دُخَان لَهَا , فَتَأْكُل الْقُرْبَانِ . فَكَانَ هَذَا الْقَوْل دَعْوَى مِنْ الْيَهُود ; إِذْ كَانَ ثَمَّ اِسْتِثْنَاءٌ فَأَخْفَوْهُ , أَوْ نُسِخَ , فَكَانُوا فِي تَمَسُّكهمْ بِذَلِكَ مُتَعَنِّتِينَ , وَمُعْجِزَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيل قَاطَعَ فِي إِبْطَال دَعْوَاهُمْ , وَكَذَلِكَ مُعْجِزَات عِيسَى ; وَمَنْ وَجَبَ صِدْقه وَجَبَ تَصْدِيقه . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : إِقَامَة لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ .



يَا مُحَمَّد


يَا مَعْشَر الْيَهُود

مِنْ الْقُرْبَانِ



يَعْنِي زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وشعيا , وَسَائِر مَنْ قَتَلُوا مِنْ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِمْ . أَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافهمْ . وَهَذِهِ الْآيَة هِيَ الَّتِي تَلَاهَا عَامِر الشَّعْبِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَاحْتَجَّ بِهَا عَلَى الَّذِي حَسَّنَ قَتْل عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى الْيَهُود قَتَلَة لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ أَسْلَافهمْ , وَإِنْ كَانَ بَيْنهمْ نَحْو مِنْ سَبْعمِائَةِ سَنَة . وَالْقُرْبَان مَا يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ نُسُك وَصَدَقَة وَعَمَل صَالِح ; وَهُوَ فَعْلَان مِنْ الْقُرْبَة . وَيَكُون اِسْمًا وَمَصْدَرًا ; فَمِثَال الِاسْم السُّلْطَان وَالْبُرْهَان . وَالْمَصْدَر الْعُدْوَان وَالْخُسْرَان . وَكَانَ عِيسَى بْن عُمَر يَقْرَأ " بِقُرُبَانٍ " بِضَمِّ الرَّاء إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْقَاف ; كَمَا قِيلَ فِي جَمْع ظُلْمَة : ظُلُمَات , وَفِي حُجْرَة حُجُرَات . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ وَمُؤْنِسًا لَهُ .

تاريخ الحفظ: 15/6/2026 5:27:00
المصدر: https://wahaqouran.com/t-3-4-183.html